بعد 67 عاماً، و550 عدداً، تتجه مجلة الرسوم الساخرة MAD إلى التقاعد. ستكتفي بعدد أخير يصدر في الخريف المقبل، وسوف تؤدّي ما عليها من حقوق مشتركيها عبر طبع نسخ احتفالية تضم مقاطع من مواد سبق نشرها، وربما أعداد سنويّة مستقبلاً. المجلة الأميركية التي وصل عدد مشتركيها في 1973 إلى ما يقرب ثلاثة ملايين، تحوّلت مع الوقت إلى أيقونة تلخّص حال الثقافة الشعبية الأميركية، وتنطق باسم جيل كامل لم تكن لتقنعه بروباغندا السلطة أو منتجات هوليوود. ألهمت صفحاتها معظم أعمال الرسوم المتحركة التلفزيونية الساخرة مثل «سيمبسون» و«ساوث بارك» وغيرهما، لكن تأثيرها كمرجعية ثقافية تراجعَ مع الغياب التدريجي لجيل المؤسسين، وانتقال ملكيتها لشركات ماليّة كبرى، إلى جانب التحوّلات في أمزجة جيل الشباب الأميركي المعاصر.



منذ عددها الأوّل الصادر في 1952، أخذت مجلّة MAD الأميركية مكانة الناقد الساخر من كل رموز السلطة الأميركية: بروباغندا أجواء الحرب الباردة، وجيل الآباء التقليدي المؤمن بالحلم الأميركي الجميل، سخافات هوليوود، وعبط السياسيين الأميركيين. لذلك، أقبل عليها جيل المراهقين والشبان الذين كانت تساورهم الشكوك من كل تلك الثقة الفارغة التي كان يتحدّث بها هؤلاء النخبويون المتحذلقون. هكذا، تحوّلت المجلة بمرور الأيّام إلى مرجعية ثقافية مرحة تعينهم في فهم حقيقة العالم من حولهم من دون رطانة نظريّة ترهق عقولهم المشتتة والمحاصرة بالرداءة الرأسمالية المعهودة. تألقت MAD في النقد اللاذع ـــ كما وصلت إلى أيامها الذهبية في أعداد المشتركين ـــ خلال مرحلة انكشاف فساد الأجهزة الأميركية بعد فضيحة ووترغيت في عهد الرئيس نيكسون. وبقيت ذات صلة كذلك خلال فترة صعود النيوليبراليّة في عهد الرئيس ريغان. لكنها بدأت تفقد تدريجاً مكانتها الأسطوريّة مع صعود جيل التسعينيات والقفزات الواسعة لذلك الجيل في طرائق تلقي المعلومات سواء من خلال التلفزيون بداية، وعبر الإنترنت تالياً... حتى أصبحت المجلّة اليوم أقرب إلى ظاهرة نوستالجية منها إلى صحافة عصريّة. وتراجع عدد المشتركين فيها من حوالى ثلاثة ملايين (في 1973) إلى أقل من 140 ألفاً حالياً، معظمهم من الجيل الأكبر سناً. لعل أصدق تعبير عن وضع MAD اليوم كان تلك الحادثة الطريفة التي نقلتها الـ «واشنطن بوست» أخيراً عن الملاسنة بين الرئيس دونالد ترامب وبيت بوتيغيج عمدة بلديّة ساوث بند في ولاية إنديانا، المرشح عن الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية 2020. اعترف بوتيغيج بأنه لم يفهم ما قاله الرئيس عندما شبّهه بألفريد إي نيومان ـ الشخصية الأيقونيّة على غلاف MAD منذ تأسيسها ـ وأنه احتاج ليبحث عن ذلك الـ «نيومان» في غوغل. بوتيغيج دافع عن نفسه بحجة فرق العمر (37 عاماً) مقابل الرئيس السبعينيّ، ولذلك «لم يكن بمقدوري فهم الإشارة أثناء الملاسنة». «أظن أنها شخصيّة مضحكة نوعاً ما». أن يطمح أحدهم لرئاسة الولايات المتحدة ولا يعرف نيومان، أقرب إلى الجريمة طبعاً بالنسبة إلى الجيل القديم. لكن هناك حتماً فجوة متزايدة بين الأجيال. وقد علقت المجلّة على الحادثة تلك عبر موقعها على تويتر بأسلوبها اللاذع بالتساؤل: «ولكن من هو بيت بوتيغيج؟ وعلى الأغلب أن معظم قرّاء المجلة لم يسمعوا به قط».


ليست MAD بالطبع أول المجلات المطبوعة التي توقفت عن الصدور في الولايات المتحدّة بسبب تحول مزاجات القراء بشكل متزايد نحو مصادر المعلومات الرقمية عبر الإنترنت. لكنها وحدها ربما التي يمثّل تقاعدها نوعاً من إعلان رمزي رسمي عن انتهاء مرحلة وولادة مرحلة أخرى جديدة في فضاء الحياة الثقافية الأميركية. تغييب MAD يتعدى مسألة اختلاف طريقة استقبال المعلومات بين جيلين إلى مسألة تباين المساحات التي يمكن فيها تقبّل السخرية اللاذعة بين هذين الجيلين. مع تصاعد الحراكات المدافعة عن فسيفساء من الهويات المفتعلة (سود، مسلمون، نسويات، مثليون ومثليات، متحولو جنس، وهكذا)، لم يعد الجيل الجديد ليستسيغ السخريّة من النوع اللاذع الذي اعتادت المجلّة تقديمه، ولم تعد النخبة المعاصرة في الولايات المتحدّة بقادرة على الضحك، وتُقتصر الملاسنات بين الأفراد مواجهة أو افتراضيّاً على الشتائم حصراً، مع تمركز طاقة السخرية كلّها على شخصيّة واحدة: الرجل البرتقاليّ ذو الأيدي الصغيرة دونالد ترامب، وهي في غالبها موجهة لشخصه ولا تصل إلى نقد ما يمثله في إطار المنظومة الأميركية.
شخصية ألفريد إي نيومان احتلّت غلاف MAD دائماً، وكانت لوحدها موقفاً تاماً من الأحداث المعاصرة حتى قبل أن تبدأ في تقليب المجلّة التي تطبع على ورق رخيص بالحبر الأسود. فهذا الشاب القصير القامة ذو الوجه البشوش حدّ البلاهة والفسحة الظاهرة بين أسنانه الأمامية يتقمصّ في كل عدد شخصيّة كأنه يقول لقرّائه: «عالم الكبار هذا من حولكم يكذب عليكم. وها هو أحد الكذبة المدّعين. لا تقولوا لم أحذّركم منه. أتمنى لكم حظاً طيباً». وبالفعل، فإن غلافات MAD المتتابعة سجلّ تاريخيّ بصريّ للجدل الذي كان يشغل فضاء الحياة الأميركيّة خلال السنوات الـ 67 الماضية، ولا تدانيه مجموعة غلافات أي مطبوعات أخرى ولا حتى أسبوعيّة الـ «تايم» الشهيرة.
لا شك أيضاً في أن التحولات في هيكليّة ملكيّة المجلّة كان لها دور في فقدانها الصلة بالجيل الجديد. بعدما بقيت المجلة طوال فترة صعودها وسطوعها تابعة لدار نشر صغيرة مستقلّة، انتقلت لاحقاًَ إلى ملكيّة شركة الرّسوم المتحركة الشهيرة DC التي بيعت بدورها إلى «وورنر براذرز» في 1990 قبل أن تنتقل ملكيّة الأخيرة إلى عملاق الاتصالات الأميركي IT&T الذي اختار استراتيجياً أن يصرف جهوده الآن على بيع العاديات والهدايا والألعاب والتطبيقات الإلكترونيّة المتحورة حول شخصيات «وورنر براذرز»، بدلاً من تطوير المطبوعات التي تحكي قصصهم. ولا شكّ في أن الشركات الكبرى تلك لن يكون في مصلحتها موضوعياً تصعيد صوت ينتقد النظام سياسياً وثقافيّاً واقتصاديّاً ولو عبر الفكاهة والضحك. ولذا فإنّ تردّياً في مستوى النقد السياسي والاجتماعي الذي تقدّمه المجلة، يلحظ بسهولة بداية من عام 1990 تحديداً، أي لحظة الدخول في عهدة «وورنر براذرز». لقد بدأت السقوف الزجاجيّة بالظهور من لحظتها ـ ولم تزل ـ إلى أن تسببت لها بالاختناق.


حافظت المجلّة لوقت طويل على هيكليات أساسيّة للتصويب على المنظومة الأميركية. بغير صفحة الغلاف الصادمة، هناك في 48 صفحة غير ملونة أبواب عدة ثابتة: قسم «جاسوس مقابل جاسوس» الذي كان نقداً لاذعاً للحرب الباردة ويسجّل أن طرفي الحرب السوفياتي والأميركي لا يختلفان في جوهرهما بشيء، وأنهما متشابهان حد التطابق ليس في الشكل فقط، بل في الأساليب والتكتيكات والتدليس والكذب بحيث لا يمكنك تحديد الخيّر من الشرير. أيضاً، هناك قسم «على الجانب المرح لـ...» الذي كان يقدّم تحذيرات صادمة عمّا ينتظر القراء الشبان من حقائق العيش في عالم الراشدين وفق الحلم الأميركي المراوغ، ناهيك بالإعلانات الوهمية التي تتقمص إعلانات الشركات الكبرى من سجائر ومشروبات ومواد استهلاكيّة لتظهر كذبها وتهافتها، وأيضاً تحويرات ذكيّة من الأعمال السينمائيّة التجارية الكبرى التي تنتجها هوليوود لمجرد الاستهلاك المحض، وكثير سخريّة من الأثرياء والمشاهير. وعادة ما كان فريق التحرير يجد هدفاً مركزيّاً مفضلاً للتصويب عليه عبر كل من المراحل المختلفة، لا سيّما الرؤساء الأميركيين. لقد ظهروا جميعهم على الأغلفة كـ «نيومان» أو معه: نيكسون وفورد وريغان والبوشين الأكبر والأصغر وكلينتون وأوباما وحتى ترامب، وتعرض كل منهم لا سيما نيكسون وريغان، إلى حملات انتقاد متجددة في كل عدد تقريباً صدر في فترة رئاستهم.
سجلّ تاريخيّ بصري للجدل الذي كان يشغل فضاء الحياة الأميركيّة خلال السنوات الـ 67 الماضية


لكن سر MAD الأهم كان تلك القدرة على امتشاق الخيال والإبداع في السخريّة المتعلقة بالمضمون لا مطلق الشكل لكل شخصيّة أو مؤسسة أو شركة أميركيّة كبرى. لقد كانت المجلّة أشبه بكتيبة صيادين محترفين انطلقت بحماسة للقبض على أي شخصية فردية أو اعتبارية تُصاب بالنرجسية وتأخذ نفسها على محمل الجد، ومن ثم تقريعها وكشف هشاشة ادعاءاتها عبر نصوص مرسومة غاية في خفّة الروح والإبداع تثني كل حدود اللغة والفن والثقافة الرسميّة. هذه الكتيبة ضمت رسامين وصحافيين صاروا اليوم أساطير في تاريخ الثقافة البصريّة الأميركيّة، وبعضهم رافق المجلّة منذ وقت مبكر وسيكون سعيداً بصيغة التقاعد الجديدة التي ستنتقل إليها المجلّة لنيل قسط من الراحة. من هؤلاء مؤسسها هارفي كورتسمان ومديرها في الفترة الأولى ويليام غاينز، ومحررها في عصرها الذهبي آل فيلدستاين، وأقدم رساميها آل جافي (مبدع فكرة الغلاف الأخير الذي يُثنى ليعطي صورة مختلفة عما يظهر عليه مسطحاً)، والفنانون العباقرة أنطونيو بورهيّاس وديف بيرغ ودون مارتن وبقيّة الطقم. ويلحظ بعضهم أن أعضاء الكتيبة المبدعة كافة هذه كانوا رجالاً، غالبيتهم الساحقة من ذوي البشرة البيضاء، وسمتهم الغالبة أنهم ليسوا متهتكين جنسياً. وهم لذلك يفسرون اضمحلال المجلّة التدريجي بفشل هؤلاء تقبل التعددية الثقافيّة التي تسم الجيل الجديد. ربما ذلك الانتقاد وارد نوعاً ما، لكنه لم يكن أبداً ذنب MAD تحديداً، بقدر ما هي آفة المجتمع الأميركي العنصري حد المرض. لكنّهم مع ذلك اختاروا التمرّد ـ الساخر ـ على مجتمعهم ذاك، وعلّموا ملايين القرّاء في الولايات المتحدة وعبر العالم أن لا أصنام تستحق التقديس في هذا العالم.