ساهمت تطورات المشهد الإيراني الخاصة بجواد ظريف في كشف حجم الدعم الرسمي والشعبي الذي يتمتع به الرجل داخل بلاده، ما فتح الباب على استحضار صناديق الاقتراع كمكان صالح لاستثمار هذا التضامن. فما هو السجل الشخصي الذي يجعل ظريف من أقوى مرشحي السباق الرئاسي المنتظر عام 2021؟ علماً بأن رئيس الدبلوماسية الإيرانية ينفي وجود أي نية عنده لخوض هذا المعترك.

على رغم حيازة وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، درجة «ماجستير» بعد إنجازه رسالة أكاديمية عن «العقوبات في العلاقات الدولية»، فإن ذلك لم يجنبه الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية! فـ«المسؤول الأول عن سياسة إيران الخارجية»، كما وصفه قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري، قاسم سليماني، أخيراً، لم يكن يعلم آنذاك أن امتهان السياسة بحرفية للتعبير عن الموقف الإيراني سيقوده يوماً ما إلى «اللائحة السوداء» في وزارة الخزانة الأميركية.
الإجراء الأميركي بحق ظريف كشف مجدداً عن حجم قوته ودوره داخل ماكينة صنع القرار الإيراني، حيث ظهر هذا الأمر في رسائل الدعم التي تلقّاها الوزير إثر القرار الأميركي. وفي هذا السياق، برزت برقية الدعم التي حظي بها ظريف من سليماني عندما حلّ ضيفاً عليه في مبنى الوزارة، مباركاً له «غضب أميركا وعداءها». هذا الموقف من «الحاج» تقاطع مع رسالة «امتنان» وجّهها «الدكتور» للأميركيين، عندما خاطبهم بعد القرار مباشرة قائلاً: «شكراً لكم على اعتباري خطراً كبيراً على أجندتكم». رسالة «الشكر» من ظريف لم تأت عبثاً، فالإجراء بحقّه رسّخ في أذهان شرائح جديدة من الإيرانيين «عداوة واشنطن» لكبير الدبلوماسيين، الأمر الذي ساهم في توسيع الالتفاف الشعبي والرسمي حول شخصيته انطلاقاً من قاعدة أن من يعاديه «الشيطان الأكبر» ينال «وسام الشرف».

حلّ سليماني ضيفاً على ظريف في مبنى الوزارة مباركاً له «غضب أميركا وعداءها»


لم تقتصر تداعيات الخطوة على الأوساط الإيرانية، وإنما سُمع صداها داخل أوساط أميركية مختلفة، وخصوصاً لكون الوزير الإيراني قضى ما يقارب 25 عاماً من حياته في الولايات المتحدة متنقلاً بين الدراسة والعمل في البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة، إلى أن أصبح مندوب طهران الدائم لدى المنظمة الدولية، قبل أن يتمكّن الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، عام 2007، من عزله بعد عدة محاولات تعثّرت برفض المرشد علي خامنئي. فالأخير عدّ انتقاء ظريف لهذا المنصب عام 2002 «أفضل خيار»، فضلاً عن أن المرشد أوضح لظريف في حينه معالم وظيفته، قائلاً «إن وظيفتك هي أن تطرح رؤيتك، حتى لو تيقّنْت أنها مخالفة لرؤيتي بنسبة 180 درجة»، ولم يكتف خامنئي بنهيه عن تغييب رؤيته الشخصية، بل اعتبر طرحها «وظيفة شرعية». التزام ظريف بهذه التوصيات المتوافقة مع طبيعته، كان السبب الرئيس في عزله من هذا المنصب، حيث يقول معلّقاً على ذلك إن «أحد أسباب عزلي خلال فترة عملي هو أني كنت مراقِباً، ومن واجب المراقِب أن يقول ما يرى، لا أن يفكّر في ما يعجب الرؤساء والمستمعين من قول أو رؤية، وينقل ذلك فقط». خروج ظريف من العمل الدبلوماسي الرسمي في ذلك الوقت تقاطع مع رغبته في عدم تسلّم أي عمل تنفيذي في حكومة لا تتوافق وآراءه، ما دفعه إلى البحث عن مسار عمل آخر، فوجد ضالّته في توسيع نشاطاته على صعيد الدبلوماسية العامة، وتوعية الرأي العام الأميركي بخصوص البرنامج النووي. وفي هذا الصدد، ينقل كتاب «سعادة السفير» عن ظريف حديثاً عن تلك الحقبة قال فيه «إن المواقف الحادة للسيد أحمدي نجاد شكّلت بيئة معادية لإيران في المجتمع الأكاديمي، وكان من الواجب القيام بشيء من التوعية في هذا المجال». لم يقتصر عمل ظريف الأكاديمي على هذا الجانب، بل تخطّاه أيضاً للعمل داخل مركز الأبحاث الاستراتيجية التابع لـ«مجمع تشخيص مصلحة النظام» برئاسة حسن روحاني (آنذاك)، الرئيس الحالي.
بقي ظريف في مساره الأكاديمي إلى أن فاز روحاني بانتخابات رئاسة إيران عام 2013، فأُسندت إليه حقيبة الخارجية، بالتزامن مع نقل الملف النووي من عهدة المجلس الأعلى للأمن القومي إلى وزارة الخارجية، ليوضع ظريف من جديد في قلب المفاوضات النووية بعدما تركها بخروجه من العمل في الأمم المتحدة.
مسار المفاوضات النووية شهد مع ظريف نقلة نوعية في مستوى العلاقات الإيرانية الأميركية، حيث كسر ونظيره الأميركي، جون كيري، جمود التواصل الثنائي الذي كان مقطوعاً بين الطرفين منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979. بيد أن هذه النقلة العلنية في العلاقات لم تكن لتحدث لولا وجود مسار طويل من اللقاءات السرّية بدأه الطرفان في سلطنة عُمان خلال عام 2012، مهّد الطريق لكسر موانع المصافحة واللقاءات العلنية. وعلى رغم ذلك، فإن نجاح المفاوضات لم يكن بالأمر السهل، حيث استغرقت ثلاث سنوات قبل أن يخرج دخانها الأبيض من العاصمة النمسوية فيينا، في ما عُرف حينها بـ«الاتفاق النووي» بين إيران ومجموعة الـ«5+1».
وقد لمع خلال السنوات الثلاث نجم جواد ظريف كمفاوض إيراني محترف، يستطيع أن «يتحدّث إلى جون كيري في يوم، ثم إلى علي خامنئي في اليوم التالي، وأن يقنع كلاً منهما بأنه يشاركه وجهة نظره»، والوصف هنا للمحلّل في «معهد كارنيغي للسلام الدولي»، كريم سجادبور. لكن هذه الاحترافية التي يملكها ظريف لم تجد نفعاً مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. فعلى رغم طيران ظريف المتكرّر إلى نيويورك، حيث مقرّ الأمم المتحدة، ولقاءاته مع كثير من نظرائه الغربيين، فإنه لم ينجح في التأثير على الإدارة الأميركية الجديدة لثنيها عن الانسحاب من الاتفاق النووي. كما أن جهوده الدبلوماسية لم تتمكن حتى الآن من دفع الأوروبيين لتنفيذ تعهداتهم القاضية بتعويض طهران عن مصالحها المُتضررة من العقوبات الأميركية. هكذا، يترنّح «إنجاز» الاتفاق النووي بين الحياة والموت، لكن لا يزال «الدكتور ظريف» يؤكد أنه «لو عاد به الزمان إلى الوراء أربع سنوات، لأبرم الاتفاق النووي مرة أخرى».