باريس | أحد أبرز الكتاب الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين، وصل ميشال تورنييه (1924 ــ 2016) متأخراً إلى أرض الكتابة. في عام 1967، أصدر باكورته الروائية «جمعة» vendredi ou Les limbes du Pacifique، وهو يبلغ 43 سنة. الكتاب الذي استلهم فيه رواية دانيال ديفو الشهيرة «روبنسون كروزو»، استقبل بحفاوة نقدية وجماهيرية، جاعلاً مؤلّفه كاتباً شعبياً ومتوّجاً إياه بالجائزة الكبرى للرواية من الأكاديمية الفرنسية. لاحقاً، سيعيد تأليف الكتاب في صيغة موجّهة للقراء الصغار. تحت عنوان «جمعة أو الحياة البرية»، وجد العمل طريقه إلى المناهج التعليمية في فرنسا وفي بلدان أخرى ناطقة بلغة موليير. وحتى نهاية حياته، كان تورنييه من الذين تذكر أسماؤهم في الأوساط الثقافية الفرنسية، كأحد الأدباء المفضلين للحصول على جائزة «نوبل» للآداب.

رغم هذا الحضور الوازن في المشهد الثقافي الفرنسي، فإن تورنييه كان مقلاً. بتسع روايات وبعض القصص فقط، استطاع فرض نفسه على الساحة منذ السبعينات من القرن الماضي بوصفه أسلوبياً، وخيميائياً يهوى خلط الأساطير والتاريخ، العادي والخارق، وصانع عوالم أسطورية، سحرت الكبار والصغار على السواء. أسلوبية قال مرة إنّه اكتسبها من المعلمين الكبار من قبيل «مُعلمه» فلوبير. صيغة الكتابة لدى تورنييه تنبع إذاً من عنصرين: الاشتغال على النص بدقّة الحرفي، لكن قبلها ضرورة الغوص في أشياء الواقع وملامستها قبل كتابتها، كما حدث معه في عام 1985 حين أراد كتابة رواية «قطرة الذهب». ربما، هذه الصرامة تجاه الكتابة، هي ما جعل تورنييه ينتظر طويلاً قبل الانطلاق في تجربة أدبية. بعد طفولة باريسية حزينة، كما وصفها في إحدى مقابلاته الصحافية، اختبر تجربة الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا ثم تحريرها. لحظات من التاريخ عايشها منذ بداياتها في الثلاثينات من القرن الماضي مع صعود النازية، إذ كان يقضي عطله كلها مع والديه في ألمانيا، وكان يلاحظ هذا الصعود الملتهب لفكرة التفوق الألماني.

أحد أبرز الكتاب الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين

بعيدا عن الوجه الكالح لألمانيا تلك المرحلة، فإنّ اللغة والثقافة الألمانيتين كانتا في صلب التجربة الأدبية لتورنييه الذي يوصف بالجرماني. والده كان أستاذاً للغة الألمانية، قبل أن يتخلى عن هذه المهنة وينطلق في الأعمال التجارية. عشق تورنييه للألمانية دفع به إلى دراسة الفلسفة في جامعة «توبينغن» الألمانية عشية الحرب العالمية الثانية. حصل على الإجازة قبل أن يعود أدراجه إلى فرنسا. كان حلمه الانخراط في تجربة أكاديمية في مجال الفلسفة. لكنه لم ينجح في امتحان الأساتذة مرتين. تجربة مؤلمة في حياة الكاتب الذي لم يتحل بعدها بتلك الجدية، التي قد تطبع الباحثين الأكاديميين بانضباطهم للمؤسسات فكرية كانت أم سياسية. هكذا، بعد الكثير من المتاعب، والعمل في أكثر من مهنة، استطاع دخول عالم الصحافة. كتب مقالات في جرائد مختلفة، كما قدم برنامجاً على أثير إذاعة «أوروبا 1» عن الفوتوغرافيا التي تشكل أحد التعبيرات الإبداعية الأكثر قرباً إلى قلبه. حبه للتصوير دفع به إلا تأسيس مهرجان «لقاءات آرل الفوتوغرافية» في العام 1970 وهو ربما أهم لقاء حول الصورة ينعقد سنوياً في فرنسا. كما عمل مترجماً، وخاصة لإريك ماريا ريمارك، صاحب واحدة من أجمل الروايات الألمانية المعاصرة «فكل شيء هادئ في الميدان الغربي» التي تحكي عن جبهة من جبهات القتال خلال الحرب العالمية الأولى.
عاشق كانط الذي يعدّ من القلة القليلة التي تملك أعماله الأصلية بالألمانية، ارتبط بهذه اللغة ارتباطاً لصيقاً. وبهذه المناخات تشكلت مادة روايته الثانية «ملك شجر جار الماء» (جائزة غونكور ــ1970) التي صدرت عن «دار غاليمار». الرواية تستلهم عنوانها من قصيدة لغوته، لتحكي تجربة رجل يعبر أوروبا الحرب العالمية الثانية، برغباته الغريبة، وكتمه للشياطين والنزوات التي تسكن جسده، ومنها رغبته في الأطفال... وإذا كان تورنييه قد أظهر في هذه الرواية معرفته العميقة بالحضارة الجرمانية، فإنّ الرواية تميزت خصوصاً بصفاء الكتابة، ومزج الواقعية بالسحر، متخذاً من فلوبير في «ثلاث قصص» نموذجاً أدبياً يحتذى به.
بعدها، صار من الوجوه الأكثر حضوراً في الأدب الفرنسي. التحق بأكاديمية «غونكور» ليصير عضواً في لجنة تحكيمها بعد عامين من حصوله على الجائزة، وعمل كناشر لدى كبريات الدور كـ PLON، قبل أن ينسحب من عضوية «غونكور» عام 2009 بسبب «العمر، والتعب، وفقدان الشهية الأدبية». وكان تورنييه اختار منذ التسعينات القطيعة مع كل شيء. انعزل في هدأة بيته المحاط بالشجر في شوازيل، وتوقف عن الكتابة. حياة من الملل، والابتعاد عن العالم تماماً كبطله كروزو. لكنها حياة سعيدة، أيضاً عبرت التاريخ المعاصر.