أسبوع على رحيل أنسي الحاج وأنا أقاوم الكتابة عنه. أقنعت نفسي بأن غيري عرفه أفضل مني، ثم إنني أضعت استحقاق الكتابة عنه عندما انقطعت علاقتي به اثني عشر عاماً.

دخلت مكتبه في مبنى «النهار» القديم في الحمرا للمرة الأولى ذات صيف من عام  ٢٠٠٢، ولم أكن قد تجاوزت العشرين. كانت أفكاري يزاحم بعضها بعضاً: هذا الجالس هناك هو تاريخ بحد ذاته، هذا العظيم صديق العظماء، هذا الشاعر الذي غيَّر مجرى اللغة، قالوا إن مقدمة ديوانه «لن» حررت الشعر من براثن القوافي، هذا حبيب فيروز. هذا حبيب فيروز الذي أقف أمامه الآن!

كثيرون أو بالأحرى كثيرات يعرفن رهبة تلك اللحظة، وأنها قبل أن تأتي اللحظة التي تليها تكون قد غيرت شيئاً ما فينا. بمجرد أن يرحب بك أنسي الحاج وسط أوراقه ودفاتره، ويدعوك لتسترق النظر الى لحظات تركيزه وعقدة حاجبيه، يجعلك تشعر بأنك استحققت هذه الفرصة، وأن الشخص المهم في تلك الغرفة في تلك اللحظة ليس هو، بل أنت.
 توجهت في ذلك اليوم الى مبنى «النهار» طلباً لفرصة تدريب في أواخر السنة الثالثة في كلية الاعلام، وبكل سذاجة اعتقدت بأني سأدخل وأسأل عن طريقة تقديم الطلبات وأرحل. لم أكن أعلم أن تلك الخطوة ستقودني مباشرة الى مكتب أنسي الحاج. هذه كانت المفاجأة الأولى.
طلب مني يومها أن أكتب ما أريد ليقوّم كتابتي. لم يحدد لي الموضوع. يومها أضعت الكثير من الوقت أتحدث الى سكرتيرته وصديقها بينما يدخل إلى مكتب أنسي ويخرج منه عشرات الصحافيين. وسط ذهولي جمعت تركيزي وفي بضع دقائق كتبت مقالة صغيرة لا تتخطى المقطعين ودخلت بها الى مكتبه. من دون أن ينظر اليّ، قرأ نصي بسرعة البرق مصححاً شاطباً معلقاً ثم طلب مني في المرة القادمة أن أترك له بعض الهامش ليضع ملاحظاته. المرة القادمة؟ هل قال المرة القادمة؟ استمهلني لبعض الوقت بينما راح يصحح المقالات والأخبار. هو يقرأ كل سطر وكل كلمة في الجريدة! راقبته مذهولة: كيف يفهم خطهم؟ ولم يكن الصحافيون بعد قد اعتادوا الطباعة على الكمبيوتر برغم انتشاره. كيف يقرأ بهذه السرعة ويضع ملاحظاته؟ بعدما قرأ مجموعة من الأوراق، وضعها جانباً ثم نادى أحدهم. وحالما دخل، أعطاه تلك الأوراق وقال «هذه جاهزة» (للنشر). ثم استوقفه ووضع نصي الصغير مع تلك الأوراق قبل أن يأذن له بالانصراف. في اليوم التالي، قرأت مقالتي في إحدى الصفحات الداخلية لـ «النهار».
كانت تلك أول مقالة أنشرها في جريدة. توالت بعدها زياراتي الى مكتبه ونشر لي عشرات المقالات. لا أعتقد أنها كانت مقالات مميزة الى هذا الحد، وربما كان بنشره لتلك النصوص يحفزني على الكتابة أكثر مما كان يثني على كتابتي، لكن أنسي الحاج هو من أعطاني تلك الثقة، ومع كل انشغالاته وآلاف الأوراق التي عليه قراءتها وتصحيحها، لم يبخل علي بوقته ليحدثني لساعات طوال أحياناً. هذا الرجل برهبته وصمته وشعره يكترث لي، فكيف لي من بعدها أن أكبح غروري؟ كل امرأة في حضور أنسي الحاج تشعر بأنها الأحلى والأذكى والأهم!
أما هو، فلا أعتقد أنه يعرف معنى الغرور. ولا أعرف أحداً بأهميته، متواضعا ولطيفا إلى هذه الدرجة. لا أنسى أنه عندما علم أنني أسكن في غرفة على السطح شديدة الحرارة في ذلك الصيف الساخن، ابتاع لي مروحة هدية! اتصل بي سائقه يومها وقال هناك غرض لك من الاستاذ أنسي! هل رأيتم ألطف من هذا الانسان؟
فشكراً أنسي الحاج... ليس على المروحة فحسب!
* إعلامية لبنانية