في مسرحيته «آخر يوم»، يروي المؤلف أسامة الرحباني تفاصيل المجتمع اللبناني المتعدد المذاهب والطوائف والاختلافات الفكرية والسياسية والحزبية. تدور القصة حول صراع قائم بين عائلتين كبيرتين على السلطة والمال، تستغلان رياضة كرة السلة لتّسعير هذا الصراع. على المنوال عينه يقوم الكثير من السياسيين ورجال الاعمال باستخدام كرة السلة كمنصة لتحقيق مآربهم وطموحاتهم الاقتصادية والسياسية حيث تكون الغاية الاولى من وجودهم فيها هو التسويق لأنفسهم.
من هنا كان واضحاً منذ سنوات عدة ان ما يطغى على مباريات كرة السلة بالدرجة الاولى هو الطابع السياسي والترويجي، الامر الذي قد يجعل من مباراة رياضية بسيطة لغماً قابلاً للانفجار في أي لحظة، يتخطى حدود الملاعب ويعيدنا الى «خطوط التماس»، خصوصاً ايام نُقل الاحتقان الطائفي بين ما كان يعرف بالشرقية والغربية (الاشرفية وراس بيروت) الى ملعبي ناديي الحكمة والرياضي، ومن ثم الى الاحزاب السياسية ورجال الاعمال المتنافسين على الاستثمار في هذه اللعبة.

سوق جذابة

تبدو سوق كرة السلة اللبنانية عالماً جذّاباً لرجال الأعمال والسياسة والمستثمرين، لا سيما ان أبرز ميزاتها أنها تجمع شريحة كبيرة وشابة من المجتمع في ملعب يتحول في أعين الساسة صندوقا انتخابيا واستهلاكيا.
وفي وقتٍ تبدو الاهداف السياسية واضحة، يُطرح سؤال فعلي حول فائدة ما يسمى «المستثمر» في ملاعب كرة السلة. اذ ان المعنى الاقتصادي للمستثمر يعني العمل على مشروع يهدف الى كسب الربح، وهو أمر بالتأكيد لا يحصل من خلال كرة السلة اللبنانية التي لم تكن يوماً مشروعا مربحاً. فعلى سبيل المثال، لا يحصل النادي الفائز ببطولة لبنان على دولار واحد كجائزة مالية لفوزه باللقب مقابل صرفه ملايين الدولارات لاستقدام افضل اللاعبين المحليين والاجانب.

لا يحصل النادي الفائز ببطولة لبنان على دولار واحد كجائزة مالية لفوزه باللقب

لذا يمكن الجزم بأن قطاع كرة السلة في لبنان، من الناحية الاستثمارية، لا يزال قطاعاً خاسراً. اذ ان ايام انطوان شويري ولّت، فالراحل «لعبها صح» بحكم حنكته الاعلامية التي جعلته يحكم «امبراطورية» سيطرت بشكلٍ كامل على اللعبة واستفادت من خيراتها في موازاة رعايته لها واحتضانها. أما اليوم فالأوضاع مختلفة جذريا.

الرعاية الرسمية والدعم السياسي

بحسب رئيس لجنة الشباب والرياضة البرلمانية سيمون أبي رميا «تقوم الوزارات المعنية في كل دول العالم بدورها على صعيد تقديم الدعم للأندية الرياضية، وهذا الامر مفقود في المنطق اللبناني بحيث لا تتعدى مساهمة الدولة السنوية في الاندية الرياضية الخمسة ملايين ليرة لكل ناد. لذلك، فان الاندية بحاجة للمستثمرين ورجال الاعمال من أجل الاستمرار، خصوصاً ان رجال الاعمال في كل أنحاء العالم يدعمون الرياضة حتى وان اختلفت الاسباب والدوافع في بلد كلبنان».
وبنظر أبي رميا «فان السياسة التي تنتهجها وزارة الشباب والرياضة في بعض الاحيان ترسخ مبدأ الارتهان للممولين من خلال تقصيرها الواضح، اضافة الى اتخاذها منذ بضع سنوات قرارات أقل ما يمكن وصفها بانها غير عادلة (كاقرار مساعدة مادية لنادي عمشيت ب400 مليون ليرة).مثل هذه القرارات المندرجة ضمن اطار المحاصصة السياسية تؤذي الرياضة اللبنانية وترسّخ التبعية السياسية والارتهان للمستثمرين ورجال الاعمال، خصوصاً أن مجانية الرياضة في لبنان لا تخولها الحصول على مردود مالي يؤمن استمراريتها، الامر الذي يجعل من الممولين والمستثمرين ضرورة ملحة من اجل استمرارية الاندية».
من جهته يعتبر رئيس النادي الرياضي، هشام جارودي ان «الدعم المادي الذي يستمر هو الذي يقدمه اشخاص يؤمنون بالاندية الرياضية وبأهميتها. لذلك فان سبب انهيار عدد من الاندية يعود الى تمويل بعض المستثمرين اندية كرة السلة لاهداف شخصية اضافة الى الرعاية السياسية لعدد من الاندية التي تعتبر غير مضمونة». ويتابع: «يجب ان يسعى الاتحاد اللبناني لكرة السلة الى تأمين مداخيل سنوية ثابتة أقله للاندية التي تحتل المراكز الاولى. هكذا تتقلص نسبة انصياع اندية كرة السلة لمزاجية الممولين والمستثمرين. والاهم من ذلك وضع الاندية لخطط تمويلية طويلة الامد لا سيما أنها اثبتت نجاحها لجهة الراحة والاستقرار اللذين ينعكسان على النتائج التي يحققها الفريق».
بالنسبة للرئيس الفخري لنادي التضامن اكرم الحلبي «تعتبر كرة السلة في لبنان، من الناحية الاستثمارية، قطاعا خاسرا، بسبب عدم التوصل الى تخطيط طويل الامد بعد، لذا تبقى رهينة للمال السياسي الذي لا يدوم. اضافة الى الازمة الاقتصادية التي أثرت على عدد من الممولين وخوف الرعاة من دخول عالم كرة السلة لانخفاض نسبة المشاهدين على البث المباشر للمباريات».
وليد بو سليمان، أحد ممولي نادي الشانفيل، يقول ان السبب الرئيس وراء دعمه للنادي يكمن في كونه ناديا متنيا مدعوما من الخط السياسي الذي ينتمي اليه. ويقسم الممولين الى قسمين: الاول يجمعه رابط عاطفي بالنادي، والثاني تلبية لطلب الحزب السياسي الذي ينتمي اليه، وفي كلا الحالتين يصب هذا الاستثمار في مصلحة اندية كرة السلة».
من جهته يعتبر رئيس نادي هوبس جاسم قانصوه «ان الرياضة في لبنان جزء لا يتجزأ من السياسة، وحتى لو كان الدعم من المستثمرين ورجال الاعمال فان ذلك يكون اما لان هؤلاء يطمحون الى مناصب سياسية، واما بناء على طلب الزعماء السياسيين. لذلك يجب الا تتخطى نسبة مساهمة رجال الاعمال 50% من ميزانية النادي الذي يجب أن يحظى بتمويل ذاتي».
موسمٌ جديد يطل في كل سنة، واسماء ممولين جدد تظهر. استفادة كرة السلة منهم محدودة، واستفادتهم منها لا حدود لها وإن اختلفت بين «البيزنس» والسياسة.




مبالغ ورعاة

بحسب مطّلعين، تغطي الشركات الراعية حوالى 40% فقط من ميزانيات الأندية الرياضية، فيما يُعوّل على رجال الأعمال والسياسة لتأمين المبالغ الباقية. هذه الحال بالنسبة الى الأندية الكبرى، أما الأندية ذات الإمكانيات المتواضعة والتي لا تتخطى ميزانياتها الـ 300 ألف دولار سنوياً فيمكنها تأمين ميزانيتها من خلال الرعاة والمعلنين فقط. ويلاحظ أن معظم الشركات التي ترعى الأندية الرياضية لا تقوم بتمويل الفرق وفقاً لدراسة معينة، بل بناءً على طلب من رجال الأعمال والسياسة.
فمثلاً، تبلغ ميزانية النادي الرياضي ما يقارب مليونين و400 ألف دولار غالبيتها من رجال الأعمال ومن BankMed، أما نادي الحكمة فتصل ميزانيته الى حوالى مليون دولار تقريباً، يؤمن 400 ألف دولار منها من شركة Touch (على سنتين بحسب العقد الموقع بين الشركة وإدارة النادي) إضافة الى حوالى 100 ألف دولار من شركة غابي أبو عضل، الوكيل الحصري لـ Volvo وشركة UFA للتأمين، الى جانب رعاية توتل غروب من خلال ماركة Ford.
نادي التضامن يحظى بميزانية تقدّر بـ 550 ألف دولار، 90% منها يؤمنه عدد من رجال الأعمال العونيين.
أما نادي الشانفيل، فمن المتوقع أن تتخطى موازنته للعام الحالي 700 ألف دولار، ولا سيما بعد وعود النائب ابراهيم كنعان برفع المخصصات التي سيحظى بها النادي وتأمين مبلغ إضافي من أجل التمكن من المشاركة في بطولة غرب آسيا. ويحظى النادي المتني بما يقارب 150 ألف دولار من شركة «ألفا» وحوالى 150 ألف دولار من IBL Bank.
من جهته، سيحظى نادي بيبلوس بمليون و100 ألف دولار من خلال مموله الأساسي نبيل الحواط الذي أنشأ مجلس أمناء، من المتوقع أن يبلغ عدده 1000 شخص، على أن يتبرع كل واحد منهم بمبلغ 1000 دولار سنوياً. وبهذه الطريقة، يكون النادي الجبيلي قد وجد مصدر تمويل ثابت.
وتبلغ ميزانية نادي هوبس حوالى 400 ألف دولار (150 ألف دولار من SGBL) ونادي الهومنتمن 600 ألف دولار (أبرز رعاته شركة سايفكو وBLC). أما نادي المتحد فتبلغ ميزانيته 700 ألف دولار تقريباً.