تتميز الأفلام الوثائقية اللبنانية التي ستعرض ضمن «أسبوع آفاق» بمنحاها التجريبي الخاص والعلاقة المتأزمة مع المكان. في وثائقي «طيور أيلول» (2013 ـ 93 د ـ 8/3، الصورة) تصوّر سارة فرنسيس علاقتها والشخصيات التي تحاورها مع بيروت عبر لغة سينمائية تجريبية ونص روائي شاعري يتماشيان في رحلة بحث المخرجة كأنما عن المدينة نفسها داخل المدينة.


تجول مع شخصيات مختلفة في عربة زجاجية في بيروت، كل منها آتٍ من ثقافة أو بيئة مختلفة. وحدها بيروت تنساب في خلفية المشهد التي تجمع بينها. المخرجة لا تفرض أسئلة معينة، بل توجه أبطالها بسلاسة للغوص في تساؤلاتهم وهمومهم الخاصة أو ليسردوا أبسط تفاصيل حياتهم اليومية التي تتحول بغرابتها وطرافتها إلى نوع من ملحمة سوريالية تماماً كما تلك المرأة التي تصف للمخرجة علاقتها بالطعام، ثم تخبرها أنها أكلت فروجاً كاملاً ذات ليلة وصعدت إلى الميزان ووجدت لدهشتها أنّ وزنها لم يزد أونصة. ثم تتساءل وتضحك بمفردها: أين ذهب الفروج إذاً؟ لكن المثير هو مراقبة الشخصيات في صمتها، وتحرّكاتها الصغيرة المرتبكة داخل هذه العربة المكشوفة. جسد الشخصيات وجسد المدينة يتماهيان ليشكلا لوحة واحدة قد تبدو متجانسة بصرياً، لكن الحوار الذي نسمعه، يروي صراع الأفراد في هذه المدينة وقلقهم ورغبتهم بالخروج منها في أحيان أخرى.
الفيلم اللبناني القصير «القلق» (2013 ـ 20 د ـ 8/3) الذي حاز عنه علي شري جائزة أفضل مخرج في «مهرجان دبي» يمزج بين الوثائقي العلمي والخاص التجريبي. يبحث في تاريخ الزلازل التي حدثت على مر السنين في لبنان ومفهوم الكوارث الطبيعية بطريقة رمزية تحاكي كل المتغيرات التي عصفت بالمنطقة. يؤسس المخرج لمشهدية جمالية تصور الطبيعة بوحشتها وعزلتها الباردة التي تعبّر عن قلقه الخاص وإحساسه المتضخم بكل تلك الزلازل الصغيرة التي تحدث يومياً ووحده يشعر بها. المنحى التجريبي للفيلم يكمن في لغته البصرية التي تدخل في تناقض مع النص المكتوب الذي يتناول ببرودة الحقائق العلمية للزلازل. لغة تنجح في نقل حالة الارتباك الذي يريد تجسيدها المخرج ويبدو فيها الزلزال حالة نفسية تعبّر عن قلق الأرض الداخلي الذي يتماهى مع قلق ساكنيها.