سكب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ماءً بارداً على التحذيرات الغاضبة لنظيره الأميركي، باراك أوباما، وأكد «حق روسيا» في حماية الروس والناطقين بالروسية ومصالح موسكو في أوكرانيا. موسكو التي فاجأت الجميع بقرارها الحازم والسريع بالتدخل العسكري في الجارة التي تمثل جوهرة التاج القيصري، والتي يحاول الغرب سرقتها عن طريق تمرد أقلوي، لا تأبه كثيراً للتهديدات الأميركية والغربية بـ«عزلها» دولياً، بينما يحتاج إليها الأميركيون والأوروبيون، اليوم، في الملف النووي الإيراني؛ إذ يمكن للروس قلب المعادلة في هذا الملف بتجميد عضويتها في فريق 5 + 1، والشروع بتفكيك كامل للحصار عن طهران من خلال تعاون اقتصادي ودفاعي ثنائي.


أما في الملف السوري، فقد تجاهل بيان للخارجية الروسية، أول من أمس، الحديث التقليدي عن الحل السياسي في سوريا إلى دعم كامل «لنضال سوريا في مواجهة الإرهاب». ويشار، هنا، إلى أن الغرب يعتمد على الروس، أيضاً، في استيعاب السياسات الحربية لكوريا الشمالية، بالإضافة إلى الملفات الخاصة بالطاقة والتجارة الدولية وخطط البريكس للقفز عن الدولار الأميركي كعملة للتبادلات الدولية.
وكان بيان أصدره المكتب الصحافي للكرملين في شأن اتصال استغرق 90 دقيقة، أول من أمس، بين الرئيسين، نبّه بوتين «إلى الطابع الإجرامي لتصرفات المتشددين القوميين في أوكرانيا، الذين تشجعهم السلطات الجديدة في كييف»، وشدد «على وجود تهديد حقيقي لحياة المواطنين الروس في أوكرانيا»، وأكد أن روسيا تحتفظ بحقها في حماية مصالحها ومصالح السكان المحليين الناطقين بالروسية في حال انتشار العنف في المناطق الشرقية من أوكرانيا والقرم».
أوباما الذي دان «التدخل الروسي في الأراضي الأوكرانية»، وعدّه «انتهاكاً» للقانون الدولي، طالب بوتين، بحسب بيان للبيت الأبيض، «بالتفاوض» مع كييف. لكنه لم يلفت إلى أنه يمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي، ما اعتبره مراقبون دلالة على الميل الأميركي الضمني لابتلاع الرد الروسي في أوكرانيا، حيث لا تشارك الولايات المتحدة، الأوروبيين، التقييم نفسه للوضع في هذا البلد، ما حدا بأوباما إلى الاكتفاء بالقول إن بلاده «ستعلق مشاركتها في الاجتماعات التحضيرية لقمّة مجموعة الثماني» التي تستضيفها مدينة سوتشي الروسية في حزيران المقبل. وحذّر البيان الأميركي حول «المباحثات الهاتفية الصريحة والمباشرة» من أن «مضيّ روسيا في انتهاك القانون الدولي سيقودها إلى عزلة سياسية واقتصادية أكبر». ما لم يقله بوتين لأوباما، تكفل بإعلانه رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف الذي شدد على أن الحكم الجديد في كييف سينتهي «بثورة جديدة» وإراقة دماء جديدة.
بدوره، لوّح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي يزور كييف غداً لتقديم الدعم للسلطات الانتقالية، بأن روسيا قد تخسر عضويتها في مجموعة الدول الثماني.
وحذر كيري بوتين من أنه قد «يجد نفسه وقد جمدت أرصدة الشركات الروسية، وقد تنسحب الشركات الأميركية، وقد يتعرض الروبل لمزيد من الانخفاض». وأضاف إن «الثمن سيكون غالياً... روسيا معزولة. وهذا ليس موقف قوة».
بيد أن المحادثة الهاتفية بين وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل ونظيره الروسي سيرغي شويغو، أول من أمس، كانت «أكثر جدية وعملية»، كما لاحظ مراقبون بالنظر إلى رفض الوزيرين الإفصاح عن مضمون النقاش.
أما ألمانيا التي عملت على تهدئة الأوضاع منذ البداية، فأعلنت أن الرئيس الروسي وافق على في اتصال هاتفي مع المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، على اقتراح الأخيرة بتشكيل فوري لبعثة تحقيق اضافة إلى«مجموعة اتصال» بهدف البدء بـ «حوار سياسي» في شأن أوكرانيا.
من جهته، دعا حلف شمال الأطلسي، موسكو، لسحب قواتها من أوكرانيا. وأدان الأمين العام لحلف، أندريه راسموسن، عقب اجتماع هيئة صنع القرار في الحلف، لمناقشة التطورات الأخيرة في أوكرانيا، روسيا، لتسببها في ارتفاع حدة التوتر في جمهورية القرم. كما دعا الحلف روسيا وأوكرانيا إلى السعي لـ «حل سلمي» للأزمة بينهما عبر «الحوار» و«نشر مراقبين دوليين».
وبفيما كانت قوات روسية تتدفق إلى جمهورية القرم، ذات الأغلبية الروسية والحكم الذاتي، حصل بوتين، السبت، على تفويض من مجلس الاتحاد الروسي بإرسال القوات المسلحة إلى أوكرانيا، لكن الخارجية الروسية أوضحت أن ذلك لن يحدث فوراً، ما يعني أن القرار الذي أصبح بإمكان الرئيس الروسي اتخاذه، هو تدخل عسكري أوسع من إرسال بضعة آلاف من الجنود إلى القرم. وهو ما دفع رئيس وزراء أوكرانيا الجديد، أرسيني ياتسينيوك، إلى القول إن قرار مجلس الاتحاد الروسي يشكل «إعلان حرب على بلادي».
وبينما دعا حزب سفوبودا الأوكراني القومي ومجموعة «برافي سكتور» اليمينية المتطرفة اللذان شكلا رأس حربة الحركة الانقلابية في أوكرانيا، أول من أمس، إلى «تعبئة عامة»، فإن حلفاءهم من يمين الوسط توصلوا إلى استنتاج بأن الغرب لا يستطيع كبح الجماح الروسي، وبدأوا باتخاذ خطوات أكثر واقعية للتفاهم مع موسكو؛ رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة، زعيمة حزب «باتكيفشينا» (الوطن)، يوليا تيموشينكو، الشخصية الأقوى في السلطات الجديدة في كييف، تتوجه إلى موسكو اليوم، لبحث تسوية الوضع في شبه جزيرة القرم.
وسخر رئيس لجنة مجلس الدوما الروسية للشؤون الدولية، أليكسي بوشكوف، من الاقتراح الأميركي إرسال مراقبين دوليين إلى القرم. وقال في تغريدة إن نتائج إرسال البعثة «ستخيّب آمال» الولايات المتحدة، لأن المراقبين «سيرون دعماً قوياً لموقف روسيا».
ميدانياً، نقلت وكالة «إيتار ــ تاس» الروسية للأنباء عن مصدر في إدارة القرم، أن حوالي 10 سفن عسكرية أوكرانية غادرت أمس ميناء سيفاستوبول الواقع في شبه جزيرة القرم. وأضاف المصدر إن عدداً من أفراد الجيش الأوكراني من الوحدات المرابطة في القرم قدموا استقالاتهم أو انتقلوا إلى جانب سلطات القرم. وأفاد المصدر بأن الجنود المنتقلين سيؤدون قسم الولاء لشعب القرم. وأكد أن انتقال العسكريين تم بطريقة طوعية سلمية. وأعلنت هيئة حراسة الحدود الأوكرانية أن سفنها المرابطة في ميناءي سيفاستوبول وكيرتش في القرم غادرتهما وتوجهت إلى أوديسا وماريوبول. فيما أعلن رئيس مجلس وزراء جمهورية القرم سيرغي أكسيونوف تعيين قائد البحرية الأوكرانية السابق دينيس بيريزوفسكي الذي أعلن أمس انشقاقه عن الحكومة في كييف وأدى قسم الولاء لشعب القرم، قائداً للقوات البحرية لجمهورية القرم.
من جانب آخر، أعلن رئيس وزراء القرم سيرغي أكسيونوف أن الاستفتاء حول وضع شبه الجزيرة سيجري بتاريخ 30 آذار الجاري.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول)