للمرة الثانية خلال شهر، تحصل وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو على «اعتراف» قضائي بتورّط القيّمين عليهما بهدر المال العام. فبعد استشارة أولى خلصت فيها هيئة التشريع والاستشارات بوجوب تخفيض راتب رئيس أوجيرو إلى 48 مليون ليرة، بعد أن كان يتقاضى، بقرار غير قانوني للوزير جمال الجراح، 84 مليوناً شهرياً، قدّمت في استشارتها الثانية مضبطة اتهام في حق المسؤولين في الوزارة والهيئة على السواء.

فقد رفضت «التشريع والاستشارات» الموافقة على إجراء عقد مصالحة بين وزارة الاتصالات و«أوجيرو» عن الأعمال التي نفّذتها الهيئة في عام 2017، والتي تبلغ قيمتها 108 مليارات ليرة (بحسب طلب الاستشارة)، نظراً لما شاب تلك الأعمال من مخالفات. ولم تكتف الهيئة برفض المصالحة، بل أفتت، بعد تفنيد هذه المخالفات في مطالعة تألّفت من 23 صفحة، بـ«إحالة الملف إلى النيابة العامة المالية وإلى هيئة التفتيش المركزي لإجراء المقتضى الذي تراه كل منهما ضرورياً في ضوء ما تضمّنته هذه الاستشارة».
وكانت «الأخبار» قد أثارت قضية عدم توقيع وزارة الاتصالات للعقد مع أوجيرو في عام 2017 (ومعظم عام 2018)، بشكل غير مبرر ومخالف للقانون (راجع الأخبار الخميس 24 كانون الثاني 2019)، ما أدى حينها إلى تبديد الهيئة لكل ربحها المتراكم على مدى 10 سنوات، والذي يُقدّر بــ160 مليون دولار، من دون أي سند قانوني وخلافاً لأصول وقواعد قانون المحاسبة العمومية.
كذلك، فإن الملف كان عُرض أمام النيابة العامة المالية، بعد أكثر من إخبار قدمه النائب جهاد الصمد (سبق أن أثار الموضوع في مجلس النواب، ثم قدّم كل ما يملكه من مستندات إلى وزير العدل والمدعي العام المالي)، والوزير السابق نقولا تويني، ويتضمن وثائق ومستندات تتعلق بمخالفات مالية جسيمة تم ارتكابها في هيئة أوجيرو خلال عامي 2017 و 2018، حيث استمع القاضي علي ابراهيم مرات عديدة إلى المدير العام لأوجيرو عماد كريدية، ولم يقفل الملف بعد.

محو المخالفات بمصالحة!
تخطّت وزارة الاتصالات كل الإشكالات القانونية التي شابت عملها، وتقدمت في 30 كانون الثاني 2019، بكتاب إلى وزارة العدل تطلب فيه إبداء رأي هيئة الاستشارات والتشريع بمشروع عقد مصالحة مع أوجيرو، «بقيمة 108 مليارات ليرة، عن الأعمال التي نُفّذت في عام 2017». وأرفقت طلبها بالمستندات (جدول النفقات المؤلف من 67 صفحة). ولأنه تبيّن لهيئة الاستشارات أن هذه المستندات غير كافية، ولأنه تبيّن أن المبلغ موضوع المصالحة يتناقض مع مبلغ سابق كان عرضه كريدية ويبلغ 176 مليار ليرة، طلبت في 19 شباط 2019، إيداعها كامل الفواتير والتفاصيل لهذه النفقات. وقد حصلت عليها من الوزير محمد شقير في 4 تموز 2019، وهي عبارة عن «22 محفظة تحتوي على ما لا يقل عن 10 آلاف صفحة» .
في 8 تشرين الأول، أصدرت رئيسة هيئة التشريع والاستشارات القاضية جويل فواز (عُينت منذ فترة وجيزة ضمن التعيينات القضائية الأخيرة) وعضو الهيئة القاضي محمد فواز الاستشارة رقم 917/2019، التي تمّت المصادقة عليها من قبل المديرة العامة لوزارة العدل القاضية رولا جدايل (عُيّنت كذلك في الدفعة الأخيرة من التعيينات القضائية) في 10 تشرين الأول 2019، وأحيلت إلى وزارة الاتصالات بتاريخ 15 تشرين الأول 2019. وتضمنت هذه المطالعة، الأولى من نوعها، الكثير من التفاصيل والملاحظات، أبرزها:
- عدم مبادرة كريدية إلى طلب توقيع عقد الصيانة والتوصيلات طيلة عام 2017، ثم انتظاره 9 أشهر ليطلب توقيع عقد مصالحة قيمته 176.6 مليار ليرة لبنانية.
- إشارة مشروع عقد المصالحة الوارد في كتاب كريدية في شهر تشرين الثاني 2017 إلى مبلغ 176.6 مليار ليرة، في حين أن المبلغ الوارد في كتاب المدير العام للاستثمار والصيانة في شهر كانون الثاني 2019، والذي تم اعتماده في مشروع العقد المقدم إلى هيئة التشريع والاستشارات، هو 108 مليارات ليرة لبنانية، أي بفارق 68 مليار ليرة.
- عدم تمكّنها (هيئة الاستشارات) «من تبيان السبب الموجب لذكر مبلغين مختلفين، والفارق بينهما هائل، للأعمال عينها التي نفّذتها أوجيرو خلال عام 2017 لصالح وزارة الاتصالات». وقد أشارت إلى أن هذا الأمر «يفتح المجال للتساؤل عمّا إذا كانت هذه المبالغ ومبالغ إضافية أخرى قد تم إنفاقها بالفعل ولم يتم تضمينها مشروع عقد المصالحة الراهن».
- إنفاق أوجيرو للأموال النقدية المتوفرة لديها لتنفيذ الأشغال خارج أية أحكام تعاقدية ترعى هذا الإنفاق. وهو ما «يطرح تساؤلاً حول تحديد ماهية مصادر التمويل التي لجأت إليها أوجيرو للإنفاق على الأشغال خلال عام 2017 ومدى قانونية اللجوء الى هذه المصادر، خاصةً وأن وزارة الاتصالات لم تؤمن هكذا موارد حسبما ينص عليه النظام المالي لهيئة أوجيرو».
- إيفاد المدير العام لهيئة أوجيرو موظفي الهيئة خلال عام 2017 في 93 مهمة إلى خارج البلاد، بكلفة إجمالية قاربت 400 مليون ليرة (بالرغم من أن هذه الرحلات لا يفترض أن تكون جزءاً من مهمة تسيير المرفق العام).
- تضمين عقد المصالحة مبلغاً بقيمة مليار و247 مليون ليرة (خلافاً لمبدأ تسيير المرفق العام) صُرف على رعاية المؤتمرات والنشاطات الاجتماعية والرياضية والإعلانية، وعلى متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى نشاطات الماراتون الرياضية، وعلى الخدمات التسويقية مع النادي الرياضي في بيروت، وعلى دعم النشاط الرياضي في ساحة ساسين في الأشرفية، ورعاية نشاطات مؤسسة منى بسترس في الأشرفية وكلفة إعلانات في مجلة الهديل، ورعاية مهرجانات صيدا، وإعلانات في مجلة رانيا، ورعاية بطولة الاستقلال في لعبة الميني فوتبول، ودعم الجناح اللبناني في معرض برشلونة خلال عام 2017.
- إنفاق أوجيرو مليار ليرة على عقود خدمات استشارية لـ12 شخصاً خلال عام 2017. وقد تبين أن أغلب ما دُفع لهؤلاء يزيد عن مستحقاتهم الفعلية لذلك العام.
- إنفاق أوجيرو 218 مليون ليرة على شراء مفروشات وموكيت وتجهيزات مكتبية وآلات تصوير لزوم مكتب الوزير السابق جمال الجراح.
- إبرام عقود المشتريات وعقود الصيانة والتركيب والإنشاء بالتراضي مع المورّدين والمتعهّدين من دون الحصول على موافقة وزارة الاتصالات المسبقة عليها كما ينص على ذلك العقد الموقّع بين هيئة أوجيرو والوزارة عام 2016 والذي ينبغي احترام شروطه ومواده. كما لم يحصل أي استلام عند تنفيذها بموجب محاضر استلام يتم إعدادها من قبل لجان استلام يشكلها وزير الاتصالات بموجب قراراتٍ تصدر عنه.

نفقات بلا مبرّر
وبعد أن خلصت هيئة التشريع والاستشارات إلى أنها «لا توافق على السير بمشروع عقد المصالحة الراهن»، فقد أعادت التذكير بعدة أمور استوقفتها، أبرزها:
- حسم مبلغ 68.6 مليار ليرة من النفقات التي تكبّدتها أوجيرو عن الأعمال التي قامت بها في عام 2017، وبالتالي التساؤل عن «مدى وجود نفقات فعلية أخرى لم يتم لحظها في المصالحة الراهنة، وإمكانية ترحيلها بشكل غير قانوني إلى عام 2018». وما أثارته لناحية عدم توقيع عقد يوافق عليه ديوان المحاسبة بين وزارة الاتصالات وأوجيرو ينظم العلاقة بينهما، خلال عام 2017. وما نتج عنه من احتمال عدم تنظيم موازنة للهيئة خلال هذا العام، ومن وجوب التساؤل عن مصادر التمويل التي لجأت إليها أوجيرو والآلية التي اعتمدتها للإنفاق على الأعمال التي نفذتها».
- وجود نفقات تقارب 3 مليارات ليرة متعلقة بأشغالٍ تخرج عن طبيعة الأعمال التي يقتضي بأوجيرو القيام بها وفق ما يستفاد من غاية إنشائها، ومن العقد الذي يرعى علاقتها مع وزارة الاتصالات الذي تم توقيعه واعتماده خلال عام 2016، والذي كان من المفترض أن يتم اعتماده خلال عام 2017 (نفقات السفر، أتعاب المستشارين، عقود الرعاية وشراء المفروشات).

أوجيرو: 70 مليار ليرة (عقود) بالتراضي من دون موافقة وزارة الاتصالات


كما نبّهت الهيئة إلى عدم احترام موجبات التعاقد الذي تضمّنها العقد المبرم بين أوجيرو ووزارة الاتصالات والمتعلق بعام 2016، والتي كان من المفترض أن يتم الالتزام بها خلال عام 2017. وأهمّها الحصول على الموافقة المسبقة لوزارة الاتصالات قبل توقيع أوجيرو ممثلةً برئيسها - المدير العام عماد كريدية على عقودٍ بالتراضي تخطّت قيمتها 70 مليار ليرة لبنانية تتعلق بالمشتريات والتركيب والتجهيز والتلزيم الثانوي، إضافةً إلى عدم وجود محاضر استلام لأعمال عند تنفيذها، على افتراض تم هذا التنفيذ، معدّة من قبل لجان استلام شكّلها وزير الاتصالات، والاكتفاء باستلامها من قبل مستخدم واحد من أوجيرو، كما حصل في أكثر من مشروع (الألياف الضوئية المنفذ من قبل CET، عقود صيانة أجهزة التكييف في مركز رأس بيروت...).
في ختام استشارتها، خلُصت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، في سابقةٍ هي الأولى لها منذ تاريخ إنشائها، إلى ما حرفيته: «لكل ذلك، ولما ورد إضافةً له في متن الاستشارة الراهنة، ترى الهيئة ضرورةً في إحالة الملف الراهن مع مرفقاته كاملةً إلى النيابة العامة المالية وإلى هيئة التفتيش المركزي لإجراء المقتضى الذي تراه كل منهما ضرورياً في ضوء ما تضمنته هذه الاستشارة، وما يتضمنه الملف الراهن بشكل أعمّ».
تلك الاستشارة وردت منذ شهر، فهل تحركت المراجع القضائية المختصة، لاسيما النيابة العامة التمييزية والنيابة العامة المالية، وهيئة التفتيش المركزي؟ وهل يدرك من تصرّف بالمال العام خلافاً لقانون المحاسبة العمومية أنه يوجب استعادتها من المال الخاص العائد للمخالفين؟ وهل يدرك هؤلاء أن أكثر من عشر مواد من قانون العقوبات يمكن الاستناد إليها لملاحقة المسؤولين عن جرائم تتعلق بالمال العام؟

هدر المال العام… خيار كأيّ خيار!

مع تشكيل الحكومة الأولى للعهد، عمد تيار المستقبل إلى إجراء تغيير شامل في وزارة الاتصالات وأوجيرو، بدأ بتعيين جمال الجراح وزيراً، ثم تعيين باسل الأيوبي مديراً عاماً للاستثمار والصيانة وعماد كريدية رئيساً لهيئة أوجيرو ونبيل يموت مستشاراً خاصاً للجراح.
أول إجراء نفّذه الجرّاح كان رفض توقيع عقد الصيانة والتشغيل والفوترة مع هيئة أوجيرو عن عام 2017، بالرغم من أن هذا العقد كان جاهزاً للتوقيع، بعدما تمت الموافقة المسبقة عليه من قبل ديوان المحاسبة وبعد حجز الاعتمادات وعقد النفقة من قبل مراقب عقد النفقات في وزارة المال وتوقيع الرئيس السابق لهيئة أوجيرو عبد المنعم يوسف على العقد. حجّة الجراح حينها كانت «إدخال تعديلات إضافية على العقد». وإلى حين التوقيع، طلب من هيئة أجيرو، في 10 شباط 2017، «الاستمرار في تنفيذ أعمال صيانة وتوسعة التجهيزات والمنشآت العائدة للوزارة وتقديم الخدمات المشمولة بالعقد الموقع في 2016 لتأمين استمرارية المرفق العام، وذلك ريثما يتم استكمال إجراءات عقد الصيانة والتوصيلات لعام 2017». حينها، كان بإمكان الجراح احترام قانون المحاسبة العمومية وتوقيع العقد الذي بين يديه، إلى حين إعداد ملف بالتعديلات المتوخاة وعرضها على ديوان المحاسبة كملحق للعقد ليصار إلى الموافقة عليه، لكنه لم يفعل!
تلك الخطوة التي أثارت الريبة لم تُقرأ سوى بنتائجها: عدم وجود عقد يبيح التحرر من أي إطار تعاقدي ومالي وإداري، وهذا يعني أن أي إنفاق سيتحرر من أي رقابة ممكنة، إن كان داخل وزارة الاتصالات ودوائرها، أو عبر أجهزة الرقابة الإدارية المعتمدة (المفتشية العامة المالية والمديرية العامة للمناقصات وديوان المحاسبة) أو عبر وزارة المال الممثلة بمراقب عقد النفقات. الشكوك بديهية بحسب رئيس نقابة خبراء المحاسبة السابق أمين صالح. هو يذهب إلى الإشارة إلى أن الدولة كلها يفترض أن تتوقف عن العمل في حال عدم وجود سند قانوني للصرف والجباية، أي الموازنة، فكيف بالحري في حال عدم وجود عقد تشغيل واستثمار لهيئة عامة؟
كل ذلك لم يكن مهماً، فقد تم صرف هذه المبالغ الهائلة من المال العام من دون أن يعلم بها أحد، ومن دون أن يتم رصدها أو إدخالها في أي قيود تعود للدولة اللبنانية وللإنفاق العام، ومن دون احتسابها في جداول الإنفاق في المالية العامة للدولة، ومن دون إدراجها في القيود التي تطّلع عليها وزارة المال، وكأن هذا المال لم يكن موجوداً في يوم من الأيام ضمن أرصدة المال العام.


كريدية يستغرب عدم الموافقة على عقد المصالحة
نفى المدير العام لأوجيرو عماد كريدية أن يكون قد تسلّم استشارة هيئة التشريع والاستشارات، وقال إنها لم تصل إلى وزارة الاتصالات أو أوجيرو.
وفيما قال إنه سمع أن «التشريع والاستشارات» رفضت الموافقة على عقد المصالحة، فقد استغرب هذا القرار، لكنه رفض التعليق على أسباب الرفض، بانتظار تسلّمها رسمياً.
وقال إن عقد المصالحة كان روتينياً، لأنه يشمل أعمالاً عادية تقوم بها الهيئة لخدمة 840 ألف مشترك في الهاتف الثابت. وبالتالي، لم يكن بالإمكان التوقف عن تنفيذها لما يشكلّه توقفها من ضرر على الشبكة والمشتركين. كما أوضح أن كل هذه الأعمال نُفّذت حسب الأصول، وأُرسلت فواتيرها كاملة إلى وزارة الاتصالات. وقد قامت الوزارة، على أساسها، بتحويل مشروع عقد المصالحة إلى هيئة التشريع لأخذ موافقتها عليه.
أما عن سبب عدم توقيع الوزارة عقداً مع أوجيرو عن ذلك العام، فقال إن الأمر يعود إلى التعيينات التي جرت في الوزارة وأوجيرو في بداية العام، وإلى الوقت الذي استغرقته التعديلات على العقد.