تعيش الجامعة الأميركية في بيروت هذه الأيام غلياناً غير مسبوق، بسبب غياب الشفافية اللازمة لحسن إدارة شؤون الجامعة، ما يستنفر هيئات الطلاب والأساتذة والموظفين الإداريين على حد سواء. ففي اليومين الأخيرين فقط، عقدت عشرات الاجتماعات والجمعيات العمومية لمناقشة الأزمة في الجامعة، لا سيما في أعقاب صدور التقرير الرسمي الذي أثبت صحة ما قاله أعضاء هيئة التدريس والموظفون عن أنّه تم نسخ قاعدة البيانات (IA) بأكملها، إضافة إلى سجلات البريد الإلكتروني، وقد أعطيت إلى مكتب التدقيق الداخلي، إضافة إلى ممارسة غير مدروسة للإدارة تضع كمية كبيرة من البيانات الخاصة الحساسة في الجامعة في خطر.


وكانت «الأخبار» قد نشرت نسخة مسرّبة من التقرير التي أظهرت أنّ البيئة التقنية للجامعة غير آمنة، وأنه بالفعل جرى نسخ كامل قاعدة بيانات الجامعة في نيسان عام ٢٠١٣، ونقلها من قسم تكنولوجيا المعلومات، في خرق واضح لقوانين الجامعة الداخلية ولقواعد الخصوصية والتحقيق الآمن المبني على قرار قضائي التي تتبعها عادة المؤسسات الأكاديمية في مختلف الدول. راجع «الأخبار» على الرابط الآتي: (http://www.al-akhbar.com/node/201189)
أولى نتائج هذا الاستنفار إقدام مجلس الجامعة الذي يضم الأساتذة والموظفين الإداريين، في اجتماع صاخب نهار الجمعة الماضي، على طرح الثقة بمدير العمليات (chief operating officer) جورج دو بين، على خلفية «داتا» المعلومات، وهو أمر يحصل للمرة الأولى منذ الثمانينيات على الأقل. وبالفعل، فإنّ الأخير سيغادر عمله في نيسان المقبل، أو هذا ما تبلغه أهل الجامعة، في رسالة إلكترونية من رئيس الجامعة د. بيتر دورمان، الاثنين الماضي.
لكن دورمان يتحدث عن أسباب أخرى للمغادرة، إذ جاء في الرسالة أنّه في «أوائل كانون الأول عام 2013، أبلغني مدير العمليات جورج دي بين أنه نظراً للحالة الصحية الخطيرة لزوجته، سيكون من الضروري بالنسبة إليه الانتقال إلى الولايات المتحدة في نيسان عام 2014. لقد شكلت لجنة للبحث عن مدير تنفيذي جديد، سوف نعمل بجد لتوظيف مرشح لهذا المنصب القيادي الهام في الجامعة». وأشار دورمان إلى أنّ نائب الرئيس للبرامج الإقليمية الخارجية ووزير التربية والتعليم العالي السابق حسان دياب وافق مؤقتاً على شغل منصب المدير التنفيذي للعمليات، مع الحفاظ على دوره في قيادة البرامج الإقليمية الخارجية. وعند الانتهاء بنجاح من عملية البحث، سيعود دياب بدوام كامل إلى رئاسة البرامج الإقليمية الخارجية». اتحاد الأساتذة في الجامعة طرح هو الآخر الثقة بجورج دو بين في جمعيته العمومية التي عقدها الاثنين الماضي، كذلك طالب أيضاً بسحب الثقة من المدقق الداخلي في الجامعة أندرو كارترايت، المسؤول، كما قالوا، عن «فضيحة داتا المعلومات». وسيجتمع الاتحاد بعد يومين وسيصدر بياناً يدعم مطالب الطلاب الرافضين لزيادة الأقساط في الجامعة.
اللافت هنا أن ثمة خطين يتسابقان على المعالجة الإدارية لملف الأقساط. خط يريد أن يحاور الطلاب للوصول إلى صيغ مشتركة تضمن مصلحة الجامعة والتعليم وتقدم حلولاً على مستوى المصادر المالية التي تغطي مصاريف الجامعة. وخط ثانٍ يريد مواجهة الطلاب، على قاعدة «إذا رضخنا هذه السنة لما يريده الطلاب فستصبح سابقة، وسوف نضطر إلى فعل ذلك في كل سنة».
أما رئيس الجامعة فلم يحسم موقفه في هذا الملف، وهو لا يزال يخاطب الطلاب، وقد بعث إليهم برسالة جديدة يعد فيها بأنّه لن يتم اتخاذ أي قرار بشأن زيادة الأقساط في الوقت الحالي، أو على الأقل قبل نهاية أيار، حيث تتلقى الميزانية الموافقة النهائية عليها من مجلس الأمناء.
وينوّه دورمان في الرسالة بالتحرك الأخير الذي نفذ أمام البوابة الرئيسية الأسبوع الماضي. وقال إنّه ملتزم بالعمل معهم لمعالجة مخاوفهم من ارتفاع تكاليف الدروس.
وإذ يبدي تفهمه للظروف الاقتصادية الدقيقة التي يمر بها الطلاب، فإن التحدي بالنسبة إليه هو «إيجاد حل لميزانية تحمي المعايير الأكاديمية للجامعة الأميركية الأكاديمية، ويضمن تلبية الاحتياجات المتنوعة للجامعة، بما في ذلك رفاه أعضاء هيئة التدريس والموظفين، من دون وضع أعباء مالية مفرطة أو غير عادلة على طلابنا».
ويعترف الرئيس بـ«حق الطلاب في الحصول على الشفافية في ميزانية الجامعة، وأن يفهموا كيف تساند الأقساط تعليمهم». ويعلن أنّه دعا إلى اجتماع تعقده لجنة مخصصة لدراسة الأقساط تضم عمداء وأعضاء هيئة التدريس وممثلي الطلاب، للنظر في سبل تلبية الاحتياجات الملحة للجامعة واقتراح ميزانية فعالة.
مساء أمس، وتحديداً عند الساعة السابعة والنصف، غصّت قاعة بطحيش في الجامعة بالطلاب. هؤلاء لبّوا دعوة اللجنة المصغرة لمتابعة قضية الأقساط، المنبثقة عن الحكومة الطلابية، لمناقشة مطلب تجميد الأقساط واقتراح الخطوات المقبلة للتحرك الذي بدأ بالوقفة التحذيرية الأولى في 27 شباط الماضي.
المشاركون أتوا للاستماع الى شروحات اللجنة بالأرقام والمعطيات الإحصائية المتعلقة بسوء إدارة شؤون الجامعة. وسيقترحون، كما قالوا لـ«الأخبار»، أفكاراً متنوعة لمتابعة التحرك الذي يراهنون على أهمية استمراره حتى تحقيق المطلبين الأساسيين: تجميد الأقساط، والشفافية في الحصول على المعلومات الإدارية والمالية. الطلاب أبدوا استياءهم من الضغوط الحزبية التي بدأت تدخل على خط التحرك وتطالب بصياغة تسوية مع إدارة الجامعة. وقد بدوا متخوفين من زرع الشقاق في صفوفهم وخرق وحدتهم التي تجلّت في أبهى صورها خلال المواجهة الأولى.

يمكنم متابعة حسين مهدي عبر تويتر | @Husseinmehdy