من منا لم يتحمل سماجة إعلانات المصارف حول بطاقاتها المصرفيّة وتباهيها بالكرم الزائد بعروضاتها بمنح «نقاط» أو «أميال» إضافية كلما استخدمنا بطاقات الائتمان. أساساً، عدد البطاقات التي كان يتفنن كل مصرف في إصدارها باتت تفرض على الزبون دروساً خصوصية لاستيعاب الفروقات بين بطاقة وأخرى، ومميزات كل منها وفوائدها، علماً أنها جميعها صممت «لتتلائم واحتياجات كل زبون وقدراته وإمكانياته» كما كانت تسوق المصارف. إلا أنه يبدو أن البنوك هي من باتت بحاجة لكل «ميل» لتتمكن من مواصلة مشوارها والصمود قدر المستطاع تجنباً للوقوع في «النقطة».

تعد بطاقات الائتمان الدجاجة التي تبيض ذهباً للمصارف، إذ تحقق من خلالها أرباحاً صافية بالملايين، نظراً للأكلاف العالية التي يتكبدها حاملوها عند استخدامها (من عمولات على عمليات السحب النقدي من الصراف الآلي والتي تراوح بين 3 و 5 دولارات، والرسوم في حال التأخر عن السداد والتي تراوح بين 10 و 20 دولاراً في الشهر، إضافة إلى الفوائد على السحب النقدي وعلى المشتريات في نقاط البيع وثمن البطاقة السنوي وغيرها...). من هنا كان تسابق المصارف على عرض بطاقات ائتمان لزبائنها وهو ما تظهره الزيادة الكبيرة في أعدادها إذ نمت من 411 ألف بطاقة في حزيران 2011 إلى نحو 554 ألفاً في حزيران من الماضي.

من بطاقة إلى سند
بعد القيود على السحوبات والتحويلات، بدأ بعض المصارف مؤخراً اتخاذ إجراءات تهدف إلى تجميد أكبر قدر ممكن من بطاقات الائتمان الصادرة بالدولار. ففعلياً، لم تلتزم كل المصارف بطلب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تغطية ديون المقترضين بالليرة اللبنانية ولو كانوا استدانوا بالدولار، وهو ما دفع بعدد كبير من الزبائن إلى رفض سداد الدفعات الشهرية المتوجبة عليهم على بطاقات الائتمان بالدولار. وفي ظل هذا الواقع بادرت بعض المصارف منذ أيام بالاتصال بزبائنها، عارضةً عليهم صفقة قد تبدو مربحة في ظل شح الدولارات في السوق. وفي التفاصيل فإن العرض بالإجمال يقوم على التالي:
تحويل كامل المبلغ المتوجب على الزبون إلى سندات بالليرة أو بالدولار على أساس سعر الصرف الرسمي، تدفع شهرياً وفق مدة زمنية محددة تصل كحد أقصى إلى 3 سنوات، وبفائدة ثابتة نسبتها 15% إذا كانت السندات بالليرة اللبنانية و 10% إذا كانت بالدولار، وذلك مقابل تجميد العمل بالبطاقة نهائياً. طبعاً تفاصيل العروض قد تختلف من مصرف لآخر، إلا أنها متشابهة بين المصارف التي بدأت بتطبيقها (حتى الآن لا يزال الإجراء في بدايته وعدد المصارف التي تطبقه محدود). وتشير مصادر مصرفية إلى أن نسب الفائدة المذكورة (وهي نسب دقيقة معروضة من قبل أحد المصارف) أقل بكثير من الفائدة على بطاقة الائتمان والتي تبلغ حوالى 22%، وأقل من الفائدة على القرض الشخصي. أما في حال رغب الزبون في الاحتفاظ ببطاقة الائتمان بالدولار فسيكون عليه التعهد بدفع المبالغ المتوجبة بعملة البطاقة.

انعكاسات سلبيّة
قد يتلقف الكثير من الزبائن عرضاً كهذا في ظل عدم قدرتهم على تأمين دولارات، وتفضيلهم في حال كانت العملة الخضراء متوفرة بين أيديهم الاحتفاظ بها على دفعها للمصارف. إلا أن هذا الإجراء قد تكون له انعكاسات خطيرة، خاصة إذا ما بدأت أعداد أكبر من المصارف باعتماده.
يعتبر الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي أن هذه الخطوة كما الإجراءات التي سبقتها تأتي لتؤكد المؤكد، وهو بأنه «لا توجد دولارات لدى المصارف». أساساً يرفض يشوعي حتى تحليل أثر مثل هكذا قرار وتبعاته، «فالنتيجة واضحة ومنتهية: فالنظام السياسي والاقتصادي القائم انتهى. لا يوجد اقتصاد. نحن نعيش أزمة سيولة فائقة وما نشهده ليس إلا نتيجة للأداء المجرم للطبقة السياسية بحق الشعب اللبناني».
وفيما تحاول المصارف من خلال هذا الإجراء وما سبقه من Capital Control غير قانوني كسب الوقت وتأخير الانهيار قدر المستطاع، فمن نتائجه أنه سيؤدي إلى لجم الكتلة النقدية في السوق - المتقلصة أصلاً بفعل الضوابط المفروضة وتوقف القروض - ما سينعكس حكماً على الاستهلاك والطلب في السوق المحليّة ما يعني مزيداً من الانكماش الاقتصادي.

سيؤثر هذا الإجراء على القدرة الشرائية للزبائن الذين يعتمدون على بطاقات الائتمان لتغطية النقص في السيولة


أضف إلى ذلك أن من شأن هذا الإجراء تحديداً التأثير سلباً على القدرة الشرائية للكثير من الزبائن الذين يعتمدون على بطاقات الائتمان لتغطية النقص في السيولة بحكم كثرة المصاريف. فبطاقات الائتمان تعد من قبل الشريحة الأوسع من حامليها، ونظراً لغياب الثقافة المالية، «راتباً» إضافياً يعولون عليه ويستخدمونه بشكل دوري على أنه مبلغ مضمون في حوزتهم، ويبنون ميزانياتهم على أساسه. كذلك فمن أهم منافع بطاقات الائتمان أنها تستخدم في حالة الطوارئ والحاجة الماسة إلى السيولة، وبالتالي فإن حرمان الزبائن منها سيؤدي إلى تعريتهم مادياً في وجه أي أزمة مستقبلية قد تواجههم.
أحد الإنعكاسات الخطيرة لهذا الإجراء تكمن أيضاً، على ما يقول عدد من الخبراء ومن ضمنهم يشوعي، في «عزل اللبنانيين عن العالم». فبطاقات الائتمان بالدولار تستخدم للاستيراد من قبل الشركات وللإنفاق خلال السفر إلى الخارج والتجارة الإلكترونية وللاشتراك في بعض الخدمات كـNetflix وفي مجلات وصحف ومواقع عالميّة، وكذلك في مجال التسويق على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، وبالتالي «وض نقل اللبنانيين إلى «عالم الصيرفة الرقمية» كما كانت تدّعي المصارف، فإنها تعيدهم عقوداً إلى الوراء.