لم يحسِبها رئيس الحكومة السابِق سعد الحريري صح، حينَ ظنّ أن الفرصة باتَت مؤاتية للتخلّص من شريكه في التسوية، الوزير جبران باسيل. لذلك، حينَ أوحى إليه الأميركيون بأهمية الاستقالة في لحظة انطلاق الحراك الشعبي، من ضمن مشروع انقلاب كبير يهدف الى إطاحة حزب الله من الحكومة وتجاهل نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، لم يتأخر في تنفيذ ذلك كله، ليُفاجأ بعدَها بأن واشنطن نفسها تتخلّى عنه. قطارُ تأليف الحكومة مع الاستشاراتِ غير المُلْزِمة التي أجراها الرئيس المكلّف حسان دياب مع الكتل البرلمانية أَقلع، من دون أن يُبدي الأميركيون ولا أي دولة أخرى ملاحظة بشأن التسمية.

فجأة وجدَ رئيس «تيار المُستقبل» أن الأمور تجاوزته. خسِر رهاناته بالعودة الى رئاسة الحكومة، سواء بالتعويل على المفاوضات مع حزب الله وحركة أمل باتباع سياسة أنا أو لا أحد غيري، أو بالاستثمار في التحركات في الشارع. خسارة أدّت الى ارتفاع منسوب توتّره، وتوتّر مناصريه على الأرض، يُترجم بـ«غضبة» احتجاجية على تسمية حسّان دياب، وببعض التصريحات التي تتحدث عن سقوط الشرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، كما غرّدت النائبة ديما جمالي أمس. الأكيد أن الأخيرة لم تنشر هذا الموقف من دون إيعاز من «كِبار» التيار، الذين تقصدوا إيصال رسالة الى المعنيين برفض تسمية دياب. مع أن الحريري نفسه، بعيداً عن الشارع الملتهب في مناطِق نفوذه، يظهر هادئاً ومتعاوناً مع رئيس الحكومة المكلف، فيما تشير بعض المعلومات الى «مُفاوضات تُخاض مع أجل التمثل في الحكومة، ليسَ عبرَ أشخاص محسوبين عليه بشكل رسمي، لكن يحظون بغطائه». هنا يظهر حجم التخبّط لديه. شارعه متوتر. هو نادم على الاستقالة وعدم القدرة على العودة الى الحكومة، لكنه مجبر على التعامل بواقعية، بعد كل المؤشرات التي تفيد بوجود ملاحظات أو فيتو دولي وإقليمي عليه.
ثمّة من يرجّح أن لا يحرق الحريري كل المراكب مع 8 آذار، وتحديداً حزب الله، لأنه «يتوقع لحظة مستقبلية تُعيده الى السراي الحكومي. وهذه اللحظة لا يُمكن أن تأتي إلا برضى الحزب وموافقته». وهذا ما يجعله يقِف بين منزلتين: إما ترك الخيار لشارعه بالتعبير عن رأيه، وعدم إظهار التعاون مع الحكومة على أمل إسقاط دياب في الشارع، من أجل العودة اليه كخيار وحيد، وإما التعامل بواقعية وبانفتاح مع الجميع لفتح صفحة جديدة تؤمّن له العودة في ما بعد. حتى الآن تعتبر مصادر في 8 آذار أن «الحريري يراهن من جديد على الشارع، وكأنه يلعب الورقة الأخيرة»، فإما أن «تحترق ورقة دياب، وإما أن يخسر الحريري هذه الورقة ويخسر ما تبقّى لديه».

حزب الله وحركة أمل يتمسّكان بمشاركة الحريري في الحكومة


ليسَ الحريري في موقع يُحسد عليه، فهو بلا غطاء إقليمي ولا دولي، وبلا حلفاء في الداخل. موقف القوات يؤشّر الى بقائه وحيداً. موقف النائب السابق وليد جنبلاط وتغريدته أكدا فشل مسعى إعادة شدّ أواصِر ما كان يُسمّى فريق 14 آذار. وحدهم الذين حاول الحريري قلب الطاولة عليهم، ما زالوا ملجأه الأخير. فرُغم ما قيل عن عدم مشاركة «المستقبل» في حكومة دياب، ولا حتى بوجوه «تكنوقراط»، تقول المعلومات إن حزب الله وحركة أمل يتمسّكان بتمثيل الحريري في مجلس الوزراء. الاتصالات مع الحريري غير مقطوعة، في محاولة لاستمالته. يفضّل الثنائي أن «تكون أسماء الوزراء السنّة في الحكومة مغطاة من الحريري، إن لم يُسمّيها هو، فعلى الأقل تأتي بالاتفاق معه». هذا الجوّ عبّر عنه الحزب بلسان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، محمد رعد، الذي قال إن «الحكومة بقدر ما تكون أوسع تمثيلاً، توفّر وقتاً وتساعد على الإنجاز». وقد سبقه الى ذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري في حديثه الى الرئيس المكلف عن «ضرورة ضم أوسع تمثيل وعدم استثناء أحد، حتى أولئك الذين صوّتوا ضده». مصادر فريق 8 آذار تُعيد التمسّك بالحريري الى الأسباب ذاتها التي سبق أن دفعته إلى تفضيل الحريري على أي اسم آخر لرئاسة الحكومة: «الحفاظ على السلم الأهلي وعدم السماح بحصول توتير مذهبي»، ولأن «الحريري لا يزال الأكثر تمثيلاً داخل طائفته». تعتبر هذه المصادر أن «الحريري ارتكبَ أكبر خطأ في حق نفسه»، خاصة أن «حزب الله وحركة أمل لم يكونا في وارد التخلّي عنه لولا قراره هو بالانسحاب»، مشيرة إلى أنه «يجب عليه الآن عدم تكرار الخطأ، ولا استبعاد نفسه عن الساحة السياسية، أو المراهنة على أصدقاء من الخارج». تؤكد المصادر أن «8 آذار يرفض تحييد الحريري، أو عزله، وسيحاول جاهداً منعه من عزل نفسه».