اتخذ 30 عضواً في جمعيّة نقابة القصّابين صفة الادعاء الشخصي على نقيبهم معروف بكداش بجرم الاختلاس المنصوص عليه في المادة 672 من قانون العقوبات، طالبين التحقيق معه وتوقيفه وإحالته إلى المراجع القضائيّة وإلزامه بإعادة المبلغ المختلس. الدعوى رُفعت بواسطة وكيلتهم المحامية ميرنا نكد أمام قاضي التحقيق الأوّل في بيروت (الرقم 1831/ 2019)، وجاء فيها «أن أموال النقابة تمّ الاستيلاء عليها بوسائل احتياليّة من المدعى عليه على مدى سنوات». وهي مرفقة بتقرير خبير محلّف كلّفته بالمهمة قاضية الأمور المستعجلة في بيروت هالة نجا (الدعوى الرقم 356/ 2019). الوقائع نفسها يسردها إخباران قدّمهما المدّعون أمام النيابة العامة الماليّة في بيروت والنيابة العامة الاستئنافيّة في جبل لبنان، والإخبار الأخير تضمّن اتهاماً إضافيّاً: «تسلّم بكداش شيكاً بقيمة 200 ألف دولار أميركي تبرّع به الرئيس سعد الحريري وإيداعه في حسابه الشخصي وحساب زوجته في فدرال بنك». هذا التبرّع حصل بعد إقفال مسلخ الكرنتينا وكان يفترض ببكداش توزيعه كمساعدات على المتضرّرين.


(أرشيف)

الاختلاسات الواردة في الدعوى الجزائيّة والشكاوى المرفوعة إلى وزارة العمل لمخالفة النقيب قانون العمل والنظام الداخلي للنقابة، تتحدّث عن «سحوبات شخصيّة لبكداش وابنه خلال 2013 بقيمة 18 مليون ليرة من دون علم أمين الصندوق، وقد عمد إلى حسمها من أصل تبرعات تجار المواشي المساهمين بإفادة موقّعة منه». كما تتضمّن مذكرة من بكداش «يطلب فيها من المحاسبة بقيد ذمة له بمبلغ 25 مليون ليرة بدفاتر النقابة بدون علم أمين الصندوق، عاد وسحبها لاحقاً بطلبه، وتمثّل مبالغ دفعها شخصياً لمعلم الحديد وأمور أخرى بدون علم مجلس النقابة»، إضافة إلى «كشوفات بشيكات مسحوبة لأمر بكداش بين 2001 و2007 بغير علم وموافقة أعضاء مجلس النقابة ومن دون توقيع أمين الصندوق»، إلى وقائع مثل «كشف قرطاسية يظهر تكاليف طباعة كتب خاصة لوالد رئيس النقابة المتوفّى بمبلغ 3 ملايين ليرة عام 2005». الكشوفات تبيّن أيضاً أنه «في عام 2008 قدّمت مجموعة تجار مواشٍ تبرّعات للنقابة بقيمة 10 آلاف دولار، قرّر النقيب في 2013 استرجاعها على أنها مساعدات منه، علماً بأنها مسجّلة بمستند صريح بأنّها تبرّعات من التجار مع ذكر المبلغ الذي تبرّع به كل تاجر»، وأن المادة 103 من قانون العمل والمادة 17 من النظام الداخلي لنقابة القصّابين تمنعان المجلس من قبول هبات إلا بموافقة الهيئة العامة ومصادقة وزير العمل.
الوقائع المذكورة يعتبرها المعترضون غيضاً من فيض، وهي فقط ما أتيح للخبير المحلّف الاطلاع عليه بأمر قضائي، وقد بيّنت أنه «استولى على أموال النقابة من تبرّعات التجار، وصولاً إلى شيكات صرفها لأمره ولأمر ابنه وهبات حرّرها لمصلحته الشخصية من دون وجه حق، وذلك عبر مضاعفة الأرقام التي تمّ إنفاقها من دون مبرّر يثبت صحتها أو فواتير أو كشوفات... كالمدفوعات على القرطاسيّة والنقل وسواها». ووفقاً لنصّ الدعوى، فإن «النقابة تقوم على شخص بكداش الذي يتصرّف بأموالها ومقدّراتها كعائدات ذمّته الماليّة، وقد لاحظ المدعون وجود التباس في ميزانياتها ومصاريف مرهقة تحول دون وجود أي فائض في صندوقها، وشكل تقرير الخبير المحلّف داعماً بأن أموال النقابة تمّ الاستيلاء عليها بوسائل احتياليّة من المدعى عليه على مدى سنوات».
فاز معروف عبد الرحمن بكداش في انتخابات «نقابة القصّابين وتجار المواشي» بالتزكية عام 2016، ليواصل مهمته نقيباً منذ 1994. وقد خلف في منصبه هذا والده، وهو يحضّر ابنه لتوريثه إياه! وقد ضمّ إلى «نقابة أصحاب مهنة القصابة» منذ 1997، تجار المواشي والمستوردين وسائقي شاحنات المواشي، «بما يخدم مصالح بقائه» كما يقول المعترضون، إضافة إلى الاستئثار بلوائح المنتسبين وحصرها «بنحو 160 قصاباً، فيما ثمة نحو 200 ألف قصاب في لبنان، بما يؤكد غياب النقابة عن أي دور فعلي، يُضاف إليهم نحو 300 منتسب من سائقي شاحنات المواشي» وفق أحد أعضاء النقابة.
مركز النقابة كناية عن مكتب واحد اتخذ مقراً لها بعد انتخابات 1994، كان الرئيس رفيق الحريري قدّم لشرائه 40 ألف دولار، وذلك تعويضاً عن طلب الحريري حينها من القصابين وتجار اللحوم إخلاء المدينة الرياضية لتأهيلها. النقيب «يتواجد في المكتب أحياناً ويزوره أمين الصندوق بطلب منه» بحسب المدّعين، الذين يقولون «إنهم طلبوا تفسيرات من بكداش حيال المبالغ المالية الضخمة التي تظهر في جدول الحسابات بلا فواتير ولا مبرّرات»، وكانوا يجابهون بـ«الرفض والسعي لإنهاء عضويّتنا لنكون عبرة وللكف عن التدخّل بشؤون النقابة الماليّة»، فيما «نحن الأدرى بحجم العائدات الماليّة من اشتراكات وتبرّعات تصبّ في الصندوق الذي لا يخرج منه سوى القليل لضعف دور النقابة». المعترضون يسألون عن «السبب وراء إقفال مسلخ بيروت بالرغم من تأهيله وإمكانية إجراء المزيد من التحسينات».

شكوى إلى وزارة العمل
إلى المسار القضائي، تقدّم المعترضون بشكوى أمام وزارة العمل (الرقم 1743/3) منذ تموز الماضي، عدّدوا فيها مخالفات مجلس النقابة والنقيب بشأن تعديل اسم النقابة من جهة، وبما يخصّ مخالفات عدّة لشروط قبول الهبات والاستحصال على القروض. وطالبوا الوزارة بـ«إقالة مجلس النقابة في بيروت والعمل على إجراء انتخابات جديدة»، سنداً إلى أحكام قانون العمل والنظام الداخلي للنقابة، وإلا «حلّ النقابة بأكملها ليصار إلى تشكيل نقابة جديدة». الكتاب تضمّن أيضاً طلب المستدعين إذا لم يتّخذ بالمطلبين السابقين، الترخيص لهم لإنشاء نقابة جديدة لـ«اللحامين في بيروت» على اعتبار أن القانون يسمح بتعدّد النقابات في المهنة الواحدة ليتقدّموا باستقالتهم من النقابة الحاليّة. الكتاب اعترض أيضاً على قرار النقيب طرد العضوين هشام مرعي وعلي فتوني «بما يخالف المادتين 29 و31 من النظام الداخلي».
مصادر وزارة العمل أوضحت لـ«الأخبار» أنها «طلبت استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل بشأن فصل النقابة وكان الجواب سلبياً لعدم وجود أسباب كافية»، أما في ما يخصّ الدعوى المرفوعة أمام القضاء الجزائي بشأن جرم الاختلاس «فنحن ننتظر حكم القضاء بها لنبني على الشيء مقتضاه».
يتربع النقيب في منصبه منذ ربع قرن خلفاً لوالده ويعدّ ابنه لخلافته


وتعديل الاسم من «نقابة اتحاد القصابين في بيروت» ليصبح «نقابة اتحاد القصابين وتجار المواشي في بيروت»، حدث عام 1997 بقرار من وزير العمل حينها (الرقم 214)، بالرغم من اعتراض أصحاب مهنة القصابة. وبنتيجته أدخل بكداش «كبار تجار المواشي وأصحاب رؤوس الأموال، ما انعكس على قرار النقابة»، والأمر مرّر حينها بحسب الكتاب «بالخداع ومن دون أن يدرك أعضاء الجمعيّة العمومية على ماذا يصوّتون»، وهذا يعتبر وفق الكتاب نفسه «مخالفة للمادة 58 من نظام النقابة الداخلي التي تنصّ على موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العمومية والمادة 85 من قانون العمل التي تنصّ على أنه لا يجب أن تجمع نقابة واحدة أشخاصاً لا ينتسبون إلى مهنة واحدة أو مهن متشابهة».