حملة التهويل التي أطلقها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف استؤنفت أمس، في زيارة وفد الجمعية لرئيس الحكومة حسان دياب لـ«تحذيره» من أن لجوء لبنان إلى عملية إعادة هيكلة الدين والتوقف عن الدفع سيؤدي إلى إفلاس المصارف وامتناع مصارف المراسلة عن فتح الاعتمادات لها، وسيغلق أبواب التدفقات الخارجية أمام لبنان الذي يحتاج إليها بشكل ملحّ. وبحسب مصادر مطّلعة، لم يتجاوب رئيس الحكومة مع هذه الضغوط، وأبلغ المصارف أن القرار النهائي بشأن التوقف عن الدفع وإعادة الهيكلة يبقى مرهوناً بانتهاء الخطة الإنقاذية التي يعدّها فريق من الخبراء المتخصصين، وستكون مدعومة بتقييم صندوق النقد الدولي لاستدامة الدين العام.

لكن سلامة والمصارف لم ييأسوا بعد، بل بدأوا يمارسون لعبة المضاربة على سندات اليوروبوندز وبيعها للأجانب. فقد تبيّن أن مصرف لبنان يحمل القسم الأكبر من سندات اليوروبوندز التي تستحقّ في 2033 و2034 التي بدأ تداولها، فجأة، في الأسواق الدولية، بأسعار متدنّية جداً. إذ إن عروض البيع كانت مسعّرة بنحو 25 دولاراً و26 دولاراً، علماً بأن سعر إصدار السند يبلغ 100 دولار. وتبيّن أن عدداً من المصارف اللبنانية وشركة «أوبتيموم أنفست»، المعروفة بتنفيذ عمليات تجارة السندات لحساب مصرف لبنان، هي التي تبيع هذه السندات، رغم أن من يحملها هو مصرف لبنان منذ إصدارها في أيار 2018، ما أثار ريبة حول ما يحصل.
هذه الضغوط على أسعار سندات اليوروبوندز ترافقت مع حملة تهويل روّجت أمس أن وزارة المال قرّرت تسديد السندات التي تستحق في آذار المقبل. إلا أن مصادر مسؤولة نفت أن يكون هناك أي قرار متّخذ بهذا الشأن.
إذاً، ما الذي يحصل في سوق السندات؟ ولماذا يبيع مصرف لبنان السندات التي يحملها بأسعار بخسة؟
تقول المصادر إن مصرف لبنان لمس توجّهاً واضحاً لدى الحكومة بالتوقف عن السداد وإعادة هيكلة الدين، ما يعني أن السندات التي يحملها لن تكون لها منفعة قريبة على سيولته، وخصوصاً أن عملية إعادة الهيكلة ستأخذ وقتاً طويلاً، وهو لن يكون قادراً على تسييل هذه السندات في هذه الفترة، في وقت هو بحاجة إلى السيولة. لذا لجأ سلامة، كعادته، إلى عمليات غير اعتيادية في السوق مثل الهندسات المالية، وأجرى هندسات على السندات مع المصارف انطلاقاً من الآتي:
ــــ يتوجّب على مصرف لبنان أن يدفع للمصارف فوائد شهادات الإيداع بالدولار، فيما تطالبه المصارف بالحصول على المزيد من السيولة بالدولار لسداد الالتزامات المترتّبة عليها بالدولار لمصارف المراسلة. وبما أن خروج كمية كبيرة من الأموال يعني نقصاً في احتياطاته بالعملات الأجنبية، قرّر أن يعرض على المصارف إمدادها بفوائد شهادات الإيداع بالدولار، شرط ألا يتم تحويل هذه الأموال إلى الخارج، وأن تستعملها المصارف لشراء سندات اليوروبوندز من فئة استحقاقي 2033 و2034. وبما أن عمليات شراء السندات وبيعها تتم عبر «يوروكلير»، أي في أوروبا، فهناك صعوبة في معرفة هوية البائع والشاري في العمليات المنفذة فعلياً والتي تبقى مخفية. وهذا الأمر يعني أن مصرف لبنان سيتمكن من تسييل سندات ولو بثمن بخس، وهو ما يعكس حاجته الماسة إلى مزيد من السيولة.

دياب بات مقتنعاً بأن إعادة الهيكلة هي الطريق نحو المعالجة


ــــ المصارف اشترت هذه السندات ودفعت ثمنها في بيروت، ولكنها بمقدار ما تبيع منها ستتمكن من تسجيل هذه العمليات على أنها أموال طازجة يمكن إدخالها إلى لبنان وإعادة تحويلها إلى الخارج لتعزيز سيولتها الخارجية.
ــــ مشكلة هذا الأمر أنه يؤدي إلى توسيع نسبة حملة السندات الأجانب، وبالتالي تعقيد عمليات إعادة الهيكلة والتخفيف من النسب المطلوبة من قبل الدائنين للموافقة على هذه العمليات. فعقود اليوروبوندز تنصّ على أن إعادة الهيكلة تتطلب موافقة 75% من حملة السندات في كل شريحة من الشرائح. بمعنى آخر، إن عمليات البيع للخارج هي بمثابة محاولة لتعطيل القيام بعملية إعادة الهيكلة، ولو أن لها أهدافاً أخرى تتعلق بسيولة مصرف لبنان والمصارف.
ــــ الخطوة التي قام بها مصرف لبنان والمصارف هي بمثابة ردّ على رئيس الحكومة حسان دياب الذي بات مقتنعاً بأن إعادة الهيكلة هي الطريق نحو المعالجة.