تخوض إسرائيل انتخاباتها البرلمانية الثالثة في غضون 11 شهراً، في جولة تتنافس فيها 29 قائمة انتخابية، يُتوقع أن تفوز منها 8 قوائم، علماً بأن نسبة الحسم (العتبة الانتخابية) للتمثيل البرلماني تبلغ 3.25%. وكما في الجولتين السابقتين، يبقى العنوان الرئيس المسيطر على الانتخابات هو شخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي لا يزال يصرّ على ترؤس الحكومة من أجل تحصين نفسه في مواجهة محاكمته بتهم فساد خطيرة يمكن أن تؤدي به إلى السجن. وهو إصرارٌ يسانده فيه حزب «الليكود» ومعسكر اليمين عموماً، الأمر الذي يمنحه القدرة على المناورة والمساومة والابتزاز والضغط حتى على الجمهور. وعليه، تشكّل هذه الجولة نوعاً من الاستفتاء الشعبي على شرعية ترشيح نتنياهو، الذي لم تعد تفصل عن موعد محاكمته، إن لم يتمّ تأجيلها، سوى أيام قليلة.

من جهة أخرى، تبدو الانتخابات الثالثة، كما سابقتَيها، الأكثر تعبيراً عن التصدّعات داخل المجتمع الإسرائيلي، وخلاصة التغيّرات الاجتماعية ــــ التاريخية التي مرّ بها الكيان، من حيث تحوّله التدريجي إلى مجتمع أكثر يمينية ومحافظة، فضلاً عن انضمام «الشرقيين» إلى شريحة النخب بعدما كانت الأخيرة «أشكنازية» خالصة. هذه التحوّلات أدت إلى تقلّص اليمين بصيغته السابقة (الجابوتنسكية، نسبةً إلى مؤسّس التيار اليميني فلاديمير جابوتنسكي)، وصعود تيار يميني بديل منه يبدو النفوذ الأكبر فيه للأحزاب الدينية والمستوطنين والمتطرّفين. من هنا، يُفهَم الخلاف المستمرّ داخل المعسكر نفسه مع حزب «إسرائيل بيتنا» العلماني حول مسألة تجنيد «الحريديم» في الجيش، والذي أدّى إلى تغيير المعادلة في «الكنيست». إذ لولا الخلاف المذكور لكان معسكر اليمين شَكّل الحكومة بعد انتخابات نيسان/ أبريل الماضي، والتي نال فيها أغلبية 65 مقعداً، أو حتى بعد انتخابات أيلول/ سبتمبر التي حاز فيها 63 مقعداً.
يتخوّف المتنافسون، وخصوصاً نتنياهو ومنافسه الرئيس بني غانتس، في هذه المحطة الانتخابية، من تدنّي نسبة التصويت بفعل الموقف السلبي من تكرار الانتخابات، واليأس من إمكانية حدوث تعديل في نتائجها، والمخاوف من فيروس كورونا. كما يتخوّفون من محاولات نشر شائعات تستهدف ثني الناخبين عن المشاركة في التصويت في هذه المنطقة أو تلك، وهو ما قد يكون له أثر كبير، على اعتبار أن الفارق الفاصل عن تحقيق الأغلبية قد لا يتجاوز بضعة مقاعد. لكن القلق الأكبر، لدى نتنياهو ومعسكر اليمين، يكمن تحديداً في نسبة مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات، بالنظر إلى أن أولوية أحزابهم في هذه المرحلة هي إسقاط نتنياهو، بغضّ النظر عن البديل، على رغم إدراكهم أن التنافس ينحصر داخل معسكر اليمين نفسه، وليس بين معسكر صقوري وآخر يساري، بما يتيح فرصة للرهان على تباينات إن وُجدت. ويخشى نتنياهو من أن يتسبّب ذلك برفع نسبة المشاركة الفلسطينية، بما يؤدي بالتالي إلى زيادة عدد مقاعد «القائمة العربية»، الأمر الذي سيكون بالضرورة على حساب معسكر نتنياهو، مثلما حصل في الانتخابات السابقة حيث ارتفع عدد مقاعد العرب من 10 إلى 13. هذه المخاوف دفعت نتنياهو إلى تغيير تكتيكه الانتخابي الذي سبق أن أعطى نتائج عكسية عندما أدى الى استفزاز الفلسطينيين ودفعهم إلى صناديق الاقتراع؛ إذ حاول في حملته الأخيرة التركيز على «الخدمات» التي قدّمتها الحكومة الإسرائيلية لهم، والقول بأن التصويت لـ«القائمة العربية» لن ينفعهم في شيء. في المقابل، حاول نتنياهو تحفيز الجمهور اليميني على المشاركة الكثيفة، عبر التركيز على فكرة أنه ليس أمامه سوى ثلاثة مقاعد لتحقيق الأغلبية التي تسمح له بتشكيل حكومة يمينية، وأيضاً الترويج لمقولة أن سقوطه في الانتخابات لن يسمح بتنفيذ «صفقة القرن»، ويشكّل خطراً على حكم اليمين في إسرائيل، في مسعى للتغطية على محاولته إنقاذ نفسه من المحاكمة. واستطاع نتنياهو، بالفعل، أن يفرض «صفقة القرن» على الأجندة الانتخابية، بدلاً من أن تكون متمحورة حول فساده. وهو ما دفع منافسه «أزرق أبيض» إلى العمل على تظهير يمينيّته أكثر من أيّ مرحلة سابقة.
بالاستناد إلى استطلاعات الرأي، لا تظهر مؤشرات إلى حصول تغيير في موازين القوى النيابية، باستثناء عمليات انتقال أصوات يمكن أن تجري داخل كلّ معسكر. وعليه، تحضر عدة سيناريوات تتراوح بين نجاح معسكر نتنياهو في نيل 61 مقعداً خلافاً لما تذهب إليه الاستطلاعات، ونيل خصومه (إسرائيل بيتنا، أزرق أبيض، العمل ــــ ميرتس) هذه الأغلبية، وهو أمر مستبعد جدّاً أيضاً في ضوء المعطيات الحالية، وأخيراً إعادة إنتاج الخريطة نفسها، بما يمنح كلّ معسكر القدرة على تعطيل تشكيل الحكومة، ويُعجزه في الوقت عينه عن تشكيلها منفرداً. من الواضح أن نيل معسكر نتنياهو أغلبية 61 مقعداً هو السيناريو الأمثل بالنسبة إليه، والذي سيكون كفيلاً بإخراج إسرائيل من الدوامة التي تدور داخلها. ولكن فرص السيناريو المذكور تبدو، بحسب الاستطلاعات، ضئيلة، فضلاً عن أن ارتفاع نسبة مشاركة الفلسطينيين سيجعلها أكثر ضآلة. أما بخصوص السيناريوات التي ستلي الانتخابات، فتتراوح بين إمكانية الذهاب إلى انتخابات رابعة، وحدوث تحول في خريطة التحالفات أو انشقاق في أيّ من الكتل بما يسمح بتشكيل حكومة بمعزل عن هويتها (حكومة وحدة، حكومة أقلية، حكومة موسعة). كذلك، لا يُستبعد، بحسب ما يذهب إليه ليبرمان، أن يعمل نتنياهو في نهاية المطاف على التوصل إلى صفقة، يخرج بموجبها من المشهد السياسي مقابل إعفائه من المحاكمة.