في كتابه «لماذا الامتثال لسدادها؟ الاقتصاد السياسي للديون السيادية» (2019)، يسأل الكاتب جيروم روس «لماذا، على الرغم من الأزمات المتكرّرة والتكاليف الهائلة لسداد الديون، لا تزال العديد من الدول المثقلة بها تواصل تسديد ديونها الدولية؟»، حتّى عندما تكون التكاليف الاجتماعية كبيرة «على نحو سيقود حتماً إلى الانهيار المالي». التعثّر ليس «هدفاً» تسعى الحكومات إليه، بل خطوة تُجبَر على الإقدام عليها. وحين تقف أمام مفترق طرق: الدفع أو التعثّر، يعني ذلك أنّها مُفلسة، أو بالحدّ الأدنى لا تملك ما يكفي من سيولة تُغطّي كلفة الدين والتكاليف الاجتماعية والاقتصادية في الوقت نفسه، وإلّا ما كانت تردّدت في الدفع. لذلك، يُعتبر «تهوّراً» أن تختار الرضوخ لضغوط «عصابة الإقراض» وتُفرغ محفظتها، عوض أن تُحدّد أولوياتها في خدمة شعبها واقتصادها. خاصةً أنّه خلافاً لما يُروّج له «حزب الدَّين»، تسديد قيمة السندات لن يُنجّي الدول من الويلات، ولن يحفظ «صورتها» أمام الخارج، ولن يقود إلى أيّ نموّ. ثمة تجارب كثيرة تاريخياً، وفنزويلا لا تزال مثالاً حيّاً. في كانون الثاني 2018، كتبت الـ«ايكونوميست» أنّه ربما تكون فنزويلا لم تتخلّف عن سداد ديونها وفوائدها المحلية، «لكنها تخلفت بلا شك عن الالتزام بعقدها الاجتماعي، لا سيما أنّ النسبة الأكبر من سكّانها لا تستطيع تأمين غذائها، كما خسرت العملة المحلية قرابة 60% من قيمتها». جيروم روس، الكاتب والمحاضر في «كلية لندن للاقتصاد» (LSE)، يشرح كيف أنّ التخلّف عن السداد يؤدّي إلى «إلحاق كوارث بالخطط التي تعمل النخب بموجبها». هي إذاً معركتهم هم بالدرجة الأولى، لإجبار الحكومات على تبديد ثروتها على الديون، ثمّ إغراقها بقروض جديدة، حفاظاً على امتيازاتهم. أي إجراء آخر من قِبل الحكومات، سيدفع «الكارتيل» إلى اختلاق فوضى، وتوظيف الأسواق المالية العالمية وشركات التصنيف وصناديق الاقتراض، لتهديد الحكومة المتعثرة بشتّى الإجراءات التي تحفظ رأسهم، وتؤدّي إلى تحميل الطبقات الشعبية تبعات الأزمة. للدائنين سلطة «سامية»، تتفوّق على كلّ مفاهيم الديمقراطية وسيادة الدول، التي يُغرق «الغرب» شعوب العالم بها.

ما اعتُبر «سابقة تاريخية» في لبنان، بالتمنّع عن سداد استحقاق 9 آذار من سندات الدين الخارجي (يوروبوندز)، ليس إلّا «خطوة طبيعية» حصلت على مرّ العصور في معظم دول العالم، التي شَهِد بعضها أكثر من عملية تعثّر لسداد الديون. أول الدول المُتخلفة، كانت اليونان في عام 377 قبل الميلاد. أما إسبانيا فتعثّرت أكثر من 15 مرّة، آخرها كان في الـ1939. أربع دول أخرى تعثرت مرتين في السنوات الـ 17 الماضية: الإكوادور وجامايكا وبليز والأرجنتين. يقول الخبير الاقتصادي في جامعة «هارفارد»، كين روغوف إنّ «التخلّف عن سداد الدين ليس أمراً غير اعتيادي». فمنذ عام 1960، تخلّفت 145 حكومة عن الوفاء بالتزاماتها من الديون، بمتوسّط 24 حكومة متعثرة في العقد الواحد، استناداً إلى دراسة أجراها «بنك كندا». حتى الدول الكبرى ليست محمية من التعثّر. عام 1979، لم تتمكّن الولايات المتحدة من دفع 122 مليون دولار من الديون، نتيجة خطأ في الأعمال الورقية. كان هذا سبباً نادر الحصول، لأنّ معظم أحداث التخلّف عن السداد تكون مرتبطة بأزمات سياسية أو ضعف الإيرادات أو تأثّر بالمشاكل المالية العالمية، أو نتيجة أزمة مصرفية.
حين يقترض فردٌ من مؤسّسة مالية، ويفشل في تسديد ما يتوجّب عليه، تتخذ المؤسسة تدابير قاسية بحقّه لتضمن حقوقها. الأمر نفسه ينطبق على الحكومات المتعثرة، التي ستحتاج إلى سنوات قبل التعافي وتواجه تداعيات عدّة: رفض إقراض البلد قبل مدّة معينة، أو تكاليف اقتراض عالية، وكالات التصنيف الائتماني ستُحذّر من الاستثمار في البلد وستُخفّض تصنيفه، تدني قيمة العملة المحلية، انخفاض أصول الدولة ومحاولة الحجز عليها. إلا أنّ تدنّي قيمة العملة، سيكون له مردود «إيجابي»، بانخفاض قيمة السلع في البلد المعنيّ، وارتفاع الطلب على تصديره. تكرّر حالات التعثّر داخل البلد نفسه، يعني أنّه يتخطّى «الإجراءات العقابية» المُتّخذة بحقه. فالمستثمرون، ولا سيّما المُغامرين، الباحثون عن فوائد مرتفعة سيُقرضون البلد مُجدّداً طالما أنّهم يحصلون على مردود لمُخاطرتهم. ففي روسيا والبرازيل والمكسيك، مثلاً، زادت أسواق الأسهم بعد أزمة السندات. ويُشير كين روغوف إلى أنّ المقرضين لا يتوقّفون عن التعامل مع بلد ما، على العكس من الأعمال التجارية أو الأفراد. ولكن يُستحسن «إذا لم تستطع الحكومة تسديد قروضها، أن تفعل ذلك بطريقة مُنظّمة مع الدائنين. على المدى البعيد، هذا أفضل لمستقبل البلد»، بحسب الكاتب والصحافي الأميركي بول بلوستين.
الأرجنتين، ايسلندا، غرينادا، بورتوريكو، نماذج لدول عانت من التخلّف عن سداد الديون، نستعرض تجربتها في ما يلي:

الأرجنتين: صندوق النقد يُغرق البلاد
من البلدان «الأشهَر» في التخلّف عن سداد الديون السيادية. أكبر عجز شهدته الأرجنتين كان سنة 2001، حين علّقت مدفوعات الفوائد وتسديدات رأس المال على 152 إصداراً بقيمة اسمية تبلغ قرابة 100 مليار دولار. يومها، أعلن الرئيس أدولفو رودريغيز سا تعليق سداد ديون البلاد، مُعلناً «التزام الدولة مع شعبها». اتّخاذ القرار بالتوقف عن السداد ليس سهلاً. ما الذي تُعلّمه التجربة الأرجنتينية؟ يتناول جون هارتلي هذا الموضوع في مقال نُشر في «فوربس» سنة 2014.

(هيثم الموسوي)

أولاً، التوقف عن السداد مرتبط بانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم. في الأرجنتين، بعد أزمة 2001، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4 ٪ في 2001 وبنسبة 10.9 ٪ في 2002. تقلّص الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين 0.5٪ في الربع الأخير من عام 2013 وبنسبة 0.8٪ في الربع الأول من عام 2014. صحيحٌ أنّه نتج عن قرار التعثّر انهيار اقتصادي، وإغلاق المصارف منعاً من هروب رؤوس الأموال، وفُرضت قيود على السحب ما دفع بالناس إلى الشارع. كما انهارت قيمة البيزو نسبةً إلى الدولار، فانخفضت كلفة المنتجات الأرجنتينية في الأسواق العالمية. ولكن لم يخلُ الأمر من الإيجابيات. الصادرات ارتفعت، تحديداً فول الصويا والقمح، ما أدّى إلى دخول الأموال إلى البلد.
عام 1979، لم تتمكّن الولايات المتحدة من دفع 122 مليون دولار من الديون


عام 2005، أعلنت الأرجنتين خطّتها لإعادة هيكلة هذه الديون بشروط قاسية، فعرضت سندات جديدة بقيمة صافية تُعادل 27% من السندات السابقة، وشطبت كلّ الفوائد المستحقّة سابقاً، مُعلنةً أنّها ستُلغي الالتزامات من جانب واحد مع الدائنين الذين سيرفضون الشروط. عادت الأرجنتين إلى الأسواق المالية الدولية سنة 2016، لتتجدّد الأزمة بعد سنتين في عهد الرئيس موريسيو ماكري، «صديق الأسواق المالية والمستثمرين». عام 2018، قَبِل الرئيس قرضاً من صندوق النقد الدولي بقيمة 57 مليار دولار، وخلافاً لـ«الأسطورة» لم يكن «الصندوق» مُنقذاً، بل أغرق الأرجنتين أكثر فأكثر: ركود اقتصادي، تضخم، خسارة سوق الأسهم... فاعتُبر قرار ماكري قبول القرض «مقامرة سياسية ضخمة». مرّة جديدة، أعلنت الأرجنتين رفضها دفع نصف سنت من الديون الدولية البالغة 100 مليار دولار، بما في ذلك 44 ملياراً لصندوق النقد. وأوضحت الحكومة أنّها لن تُقدّم عرضها لإعادة الهيكلة قبل نهاية آذار الجاري.

آيسلندا: تأميم المصارف بعد تركها تنهار
أكثر من 85 مليار دولار كانت قيمة الديون التي تخلّفت آيسلندا عن تسديدها سنة 2008، بعد أن بلغ الدين الخارجي أكثر من 7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. الأزمة رفعت مستوى المخاطر على ثلاثة مصارف كُبرى: «كوبثينج»، «لاندسبانكي» و«جليتنر»، لم تتمكّن من تسديد ديونها القصيرة الأجل. يومها قرّرت «الهيئة التشريعية الآيسلندية» إصدار قانون الطوارئ لتتمكّن «هيئة الرقابة المالية» (FME) من السيطرة على القطاع وتأسيس مصارف جديدة ووضعها تحت الحراسة القضائية، وتركت الخسائر تلحق بمساهمي المصارف وبالدائنين الأجانب، فيما ركّزت جهودها على ضمان جميع الودائع المحلية مع فرض ضوابط على رأس المال لاستقرار قيمة العملة المحلّية (الكرونا الآيسلندية).

(مروان طحطح)

أدّت الأزمة إلى انهيار سعر الصرف، وحوصر استخدام العملة الأجنبية لمدفوعات الواردات الأساسية. سهّلت العواقب الاستعانة بصندوق النقد الدولي، الذي وافق على برنامج لسنتين بقيمة 2.1 مليار دولار، صُرف نصفها مُقدّماً. وتضمّن البرنامج فرض ضوابط على رأس المال بسبب انهيار سوق الصرف الأجنبي، وإجراء عمليات إنقاذ للمصارف المحلية فقط. انتهى البرنامج مع صندوق النقد في 2011، أما القيود على رأس المال فلم تُرفع حتى آذار 2017.
تمكّنت آيسلندا من استعادة عافيتها، وكان لترك المصارف تنهار ثمّ تأميمها دورٌ كبير في ذلك، إلّا أنّ ما مرّت به كان له تأثير سلبي على اقتصادها. فقد شهدت كساداً اقتصادياً حاداً، وانخفضت قيمة العملة الوطنية، وتم تعليق معاملات العملة الأجنبية، كما انخفضت القيمة السوقية لبورصة آيسلندا بأكثر من 90%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 10% بالقيمة الحقيقية بين 2007 و2010. بدأت حقبة جديدة مع نموّ الناتج المحلي الإجمالي الإيجابي في عام 2011، وانخفض معدّل البطالة تدريجياً، كما العجز في الموازنة العامة نسبةً إلى الناتج المحلي.
غرينادا: التعثّر بعد إعصارَين
عانى اقتصاد الجزيرة الصغيرة بشدّة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. وتقلص الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 8% بين 2009 و2012، وارتفع العجز المالي لأكثر من الضعف من الناتج المحلي الإجمالي. ولكنّ مشكلات غرينادا بدأت قبل عقد من الزمن، بعد إعصارَي إيفان وإيميلي عامي 2004 و2005، فكان التعثّر الأول للجزيرة. الإعصاران دمّرا الموردَين الاقتصاديين الأهمّ فيها: السياحة والزراعة.
عام 2004، أعلنت الحكومة عزمها التعاون مع الدائنين، مع حاجتها إلى جهود كبيرة لإعادة الإعمار والتأهيل. سعت الحكومة للحصول على مساعدة من الدائنين متعدّدي الأطراف، كبنك التنمية الكاريبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبدأت مناقشات مع جميع الدائنين الثنائيين الرسميين. تمت إعادة الهيكلة، بعد تعليق عدد من الاستحقاقات، ما أدّى إلى خفض تصنيف غرينادا إلى «الإفلاس الانتقائي» (SD) من قبل وكالة «ستاندرد أند بورز». ​
سعت السلطات لإعادة هيكلة مديونية السندات الحكومية والقروض التجارية الخارجية والديون المضمونة، ولكنّ الدائنين الثنائيين طالبوا ببرنامج لصندوق النقد الدولي.
المرّة الثانية التي تخلّفت فيها عن تسديد ديونها الخارجية، كانت سنة 2013. استعانت غرينادا بصندوق النقد الدولي، خاضعةً لبرنامجه، وخضع كبار الدائنين لعملية «قص شعر» بنسبة 50%.
بورتوريكو: مستعمرة أميركية مفلسة
إنّها إقليم من الجزر المستعمرة من قِبل الولايات المتحدة الأميركية، لذلك تُعتبر «نموذجاً» فريداً في التعثّر. توقّفت في 2015 عن سداد الديون، خلافاً لما ينصّ عليه دستورها لجهة تأمين دفعات سندات الالتزام العام قبل أيّ مدفوعات أخرى. يومها، أعلن المحافظ أليخاندرو غارسيا باديلا، كما نقلت «CNN»، أنّ دفع رواتب المعلمين وموظفي الطوارئ وغيره من الاحتياجات الضرورية يجب أن يأتي أولاً. كانت قيمة السندات تبلغ 800 مليون دولار، تملك منها بورتوريكو نقداً 350 مليون دولار فقط.
أربع سنوات عانت خلالها بورتوريكو من الإفلاس والركود وخفض المعاشات التقاعدية. وقبل أسابيع، توصّلت السلطات المحلية إلى اتفاق مع حملة السندات لتقليص حجم ديونها بمقدار 24 مليار دولار من أصل 35 مليار دولار. وذُكر أنّ الدائنين سيحصلون على 10.7 مليارات دولار، على شكل ديون جديدة، مقسّمة بين سندات الالتزام العام، وسندات الرهن العقاري الصغرى، بالإضافة إلى 3.8 مليارات دولار نقداً. وسيستفيد حملة سندات الالتزام العام الصادرة بعد عام 2012، من سعرٍ يفوق السعر الذي سبق التوصل إليه في التسوية الأولى في حزيران الماضي. وقد وصفت ذلك صحيفة «فاينانشال تايمز» بأنّه خطوة أولى «للخروج من الإفلاس الذي بلغ عامه الرابع»، على العكس من حاكمة الجزيرة، واندا فاسكويز، التي عارضت الاتّفاق.