يصف خبراء أجانب ولبنانيون القانون، الذي يشار اليه بالرقم 2297 واختصاره CISA، بأنه متمم للإجراءات التي اتخذتها السلطات الاميركية منذ عام ١٩٩٩، والمتمثلة في الاضبارة W8E ثم "باتريوت آكت" اثر احداث التاسع من ايلول عام ٢٠٠١. ويذهب البعض الى وصفه بـ"التتمة الهجومية لترسانة الحرب الناعمة" التي تعتمدها الولايات المتحدة منذ عقدين تقريبا، حيث "تعطي اتفاقات رسمية بيد وتأخذ من تحت الطاولة بيد اخرى واضعة العصي في الدواليب الاقتصادية". هكذا، في وقت توقع اميركا اتفاقا مع ايران فوق الطاولة، تحاول في الوقت نفسه الاضرار بها وبحلفائها مستخدمة الدولار كرأس حربة. والقانون الاخير، واسمه الرسمي الطويل "قرار منع التمويل الدولي لحزب الله لعام ٢٠١٥"، يرمي بحسب نصه الحرفي الى "منع وصول حزب الله الى المؤسسات المالية الدولية وغيرها". لكنه في الواقع يستهدف البيئة المناصرة للمقاومة بنوع من العقاب الجماعي على الرأي، كما بات الجميع يعرف.

المسألة ليست مسألة رأي

بحسب استاذ الاقتصاد في جامعة السوربون، شبل السبع، هي المرة الاولى في التاريخ التي "تستطيع فيه القوى الاقتصادية الكبرى ان تسيطر على دول اخرى بوسائل اقتصادية. وذلك بسبب الهيمنة الأميركية المالية على العالم، وإمكانية مراقبة مصارف الكرة الأرضية والمواصلات والاتصالات بأدق التفاصيل". ويوضح: "اقصد من خلال فرض العقوبات على الدول والأفراد. وهذا الشق الأخير لم يكن ممكناً لو لم تقم بالسيطرة على المصارف عبر قوانين مكافحة الإرهاب التي مكنتها من التدخل في المصارف الأجنبية (Patriot Act) بعدما كانت قد سنت قوانين (W8) تجبر المصارف نفسها على التصريح عن جنسية زبائنها منعاً لتبييض الأموال والتهرب الضريبي". كل ذلك سمح لها لاحقاً بتنفيذ سياسة "تعدت إطارها الأولي لتصبح أداة ضغط سياسي. ورأينا الضغوط التي مورست على روسيا (بنك سوسيتيه جنرال وغيره) وإيران (غرامة 9 مليارات دولار على بنك BNP) وسويسرا (UBS لعدم التصريح عن الزبائن الأميركيين)، وعلى اليونان من قبل أوروبا، وعلى لبنان (البنك اللبناني الكندي)".

القانون بمثابة اعلان حرب على حزب الله وليس في يد المصارف اللبنانية حيلة

“إنه إعلان حرب" يقول الوزير السابق، الاقتصادي شربل نحاس، في رده على سؤال ان كان يوافق على اعتبار هذا القانون نوعا من العقوبة الجماعية على الرأي، مفسرا ان "هذا القانون بمثابة اعلان حرب على حزب الله. عندما تعلن الحرب على طرف، وتصنفه عدوا او ارهابا، فأنت تعطي الحق لنفسك بتدميره. هم يقولون في النص «سياسة الدولة هي» (البند الرقم ٢ راجع نص القانون المترجم بكامله على الموقع)، هذا يعني ان الولايات المتحدة الاميركية اعطت لنفسها الحق، لا بل القت على عاتقها واجب الدخول في مواجهة مع هذا الطرف الذي سمته ارهابا او عدوا. وهذا لا علاقة له بأمور الرأي. يعني قرر الاميركان ان اليابان عدو فرموا عليهم قنبلة ذرية! حسنا، هذا الرجل الذي مات ومليون غيره، ما رأيه بسياسة الحكومة اليابانية في "بيرل هاربور"؟ لا يهم. خرجنا من الاطار كليا. هم بوضوح يعلنون ذلك، ولمزيد من التأكيد وضعوا مادة خاصة لئلا يسيء احد الفهم: يقولون هذا عدو، وبالتالي سنقوم بكذا كذا".

هل من مخرج؟

نسأل ان كان هناك مخرج ما بالاستناد الى ما نص عليه القانون في البند 303 تحت عنوان "الانتهاء"، اذ بامكان الرئيس الاميركي ان يوقف تصنيف حزب الله كارهاب؟ نقصد ان القانون ترك للديبلوماسية باباً، فهل تستطيع الدولة اللبنانية من هذا المنطلق ان تقوم بشيء ما لحماية مواطنيها وهو واجبها؟ يرد نحاس: "صحيح: وحده اوباما او الرئيس الاميركي يستطيع ان يوقف هذا التصنيف، لكن بحسب هذا القانون عليه ان يبرر خطوته تلك. اما بالنسبة للدولة فأنا اعيدك الى ميزان القوى: افترضي ان اميركا اعلنت الحرب على لبنان حتى بدون وجود حزب الله، ماذا باستطاعة الدولة اللبنانية ان تفعل؟ لا شيء. اذا اخذنا ميزان القوى الفعلي "ما بدها حكي". لكن، فلنتفق على نقطتين:
ــــ اولا، اقرار هذا القانون هو حالة تماثل اعلان حرب من جهتهم.
ــــ ثانيا، من جهتنا هناك ثلاثة اطراف: الدولة وحزب الله ومن هم حول حزب الله. اما بالنسبة للدولة فماذا باستطاعتها ان تفعل؟ اما أن تذهب للقانون الدولي او بالمنطق ذاته لميزان القوى. وبالتالي دولة اعلنت عليك الحرب شو بتعملي؟"، نقترح كإجابة: وساطات ديبلوماسية، محادثات الخ. يرد: "ايه صح، بان كي مون سكة، او ندخل في منطق المواجهة حيث يحكم ميزان القوى وهو ليس لمصلحتنا!"
وماذا عن المصارف؟ هم يقولون انه ليس في يدهم حيلة، الى اي حد هذا صحيح؟ يقول نحاس: "الى حد ما، صحيح، لكن في النهاية الولايات المتحدة فرضت عقوبات بمليارات الدولارات على اكبر المصارف الاوروبية: بريطانية والمانية وفرنسية، فهون الشبيبة عنا شو بيطلعوا حد هدول؟ ولا شي. هذا هو الواقع".

ميزان القوى

رئيس جمعية المصارف جوزف طربيه قال لـ"الاخبار" في حديث سابق ان هذا القانون لا يفرض اي موجبات جديدة على المصارف، فهل هذا صحيح؟ يقول نحاس: "انطلاقا مما قلناه ليس لنا مصلحة في دفع الامور لاماكن قد تكون نتائجها كارثية ولو كانت نيّاتنا طيبة. نعم في واقع الحال، مصارف لبنان اليوم وفي ميزان قوى كهذا، لا تستطيع ان تقول: لا أبالي".
نقول له ان هناك من يقترح حلا جزئيا، وهو ايجاد مصرف لبناني لا يتعامل الا بالليرة اللبنانية. صحيح سيبقى محليا، ولكن من الممكن ان يحل جزءا من الموضوع. فما رأيه؟ يجيب نحاس: "نظريا صحيح، لكن غير كاف. فحتى لو عملنا بما قلت، فمن وضع القانون ليس غبيا. ماذا يقول القانون؟ هو يتجاوز التعامل بالدولار الى الحكومة التي يعمل هذا المصرف على ارضها، والمصرف المركزي الذي يعمل معه". يسكت قليلا مفكرا ثم يقول: "انت قلت شغلة اساسية من شويه: يحق لرئيس اميركا ان يقول معللا الاسباب: انه مثلا لاسباب تتعلق بالامن القومي او لا اعرف ماذا.. طولوا بالكم على هالجماعة".
اذا؟ في النهاية هناك شهران بعد تقريبا لكي يسلم اوباما الكونغرس اللوائح والتقارير المطلوبة منه بحسب القانون الجديد، الا يجب ان يكون هناك نشاط ديبلوماسي على الاقل للتخفيف من نتائجه؟ يجيب نحاس: "طبعا الان هو وقت الشغل الديبلوماسي. مفترض يصير. من جهة ثانية اعلن (السيد حسن) نصرالله انهم لا يتعاطون مع المصارف ولا علاقة لهم بها من قريب او من بعيد". صحيح، نقول له، لكن مناصريه لهم علاقة، ربما لذلك قال ايضا على الدولة حماية مواطنيها. يرد نحاس: "صحيح هناك ضغط. لو سألتني ما علاقتهم بآراء هؤلاء السياسية؟ اقول لك معك حق، لكن في الواقع القصة ابعد بكتير من قضية رأي. اميركا قررت من ٥٠ سنة ان كوبا عدوة. فنجحت في عزلها وخنقها لخمسين سنة بالعقوبات”.
حسنا. وماذا عن التوازنات الدولية؟ الا تستطيع ان تؤدي دورا؟ فحزب الله جزء من محور. الا يمكن لهذا المحور ان يدافع عن مناصريه؟ يقول "لكن هؤلاء بيحكوا مع بعضهم". ما الذي يقصده بذلك؟ يقول "لهذا تركوا هذه "الطاقة" النافذة التي حكينا عنها، هي ربما لتلك الجهود الديبلوماسية لاقناع الرئيس".





"جمعية المصارف" الى واشنطن

يبدأ وفد من جمعية مصارف لبنان زيارة لواشنطن غداً للقاء مسؤولي الخزانة الأميركية وبعض أعضاء الكونغرس وممثلي مصارف المراسلة التي تقدم خدماتها للمصارف اللبنانية. يترأس الوفد رئيس الجمعية جوزف طربيه، ويرافقه نائب الرئيس سعد أزهري، وأمين الصندوق تنال الصباح ومسؤول الامتثال في بنك عوده شهدان الجبيلي، وأعضاء آخرون في مجلس إدارة الجمعية.
وبحسب مصادر مصرفية، فإن الزيارة روتينية وتقوم بها الجمعية مرتين سنوياً منذ أكثر من ٥ سنوات. الزيارة الحالية كانت مقرّرة مطلع كانون الأول ٢٠١٥، لكنها أُرجئت بسبب انشغال رئيس وأعضاء الجمعية في أمور خاصة. غير أن هذه الزيارة تكتسي أهمية إضافية بعد صدور القانون الأميركي المتعلق بحظر حزب الله دولياً. فالوفد سيحمل معه نسخة من القوانين التي أقرّها مجلس النواب اللبناني مترجمة إلى الانكليزية، وهي قوانين تتعلق بتعديل القانون 318 المتعلق بمكافحة تمويل الإرهاب، مراقبة وضبط النقد عبر الحدود، تبادل المعلومات الضريبية، وانضمام لبنان إلى معاهدة الامم المتحدة لعام 1999 المتعلقة بتجفيف مصادر تمويل الارهاب.
ويقول المصرفيون إن ترجمة القوانين جاءت بهدف تقديمها إلى المسؤولين الأميركيين على أنها إثباتات إضافية على امتثال لبنان للإجراءات الدولية في مجال مكافحة تمويل الارهاب وتبييض الأموال. ويشير هؤلاء إلى أن مكتب المحاماة المكلّف من الجمعية DLA Piper أخذ مواعيد عديدة للوفد مع المسؤولين الأميركيين في وزارة الخزانة وبعض أعضاء الكونغرس واللجنة المالية. وهي مواعيد تأتي بعد خطوات أخذها مصرف لبنان لفرض التزام المصارف بالإجراءات الدولية في إطار التخفيف من العطش الأميركي للمزيد من الإجراءات والتكيّف مع اللاعبين الدوليين من دون التضييق على الطرف الداخلي.
(الأخبار)