سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | سنة ثالثة مرّت من عمر «زهرة» لم تتفتّح. لن يقف عميد «الثورات» ليوزّع الشهادات. مدرسة «الربيع العربي» في سوريا أحسنت تخريج دفعة من الانتهازيين والمتسلقين والذيليين. لا مكان للحضور هنا. لا حفل ولا مراسم. الركام فقط يحتضن الشهداء. سنة ثالثة، والخريف تفنّن في تجديد صفار أوراقه. شريط سريع مرّ. المسرح ذاته. تبدّل الممثلون فقط أو تبادلوا الأدوار. «أبطال» أضحوا في الخلف... هم في الواقع في قعر التاريخ، في غياهب صفحات ظنّوا أنهم يكتبون عناوينها.


دخلنا السنة الرابعة حاملين أوراقاً جديدة. أوراق أعاننا طالبو «المخاض السريع» على ملئِها. في السنة الثالثة حفظنا في حصة «التطبيق» أنّ «الجيش الحر» هو عبارة جميلة من كلمتين يفضَّل استخدامها في «ردّية» تظاهرة أو في مطلع قصيدة ثورية.
تعلمنا في الدرس، أيضاً، أنّه أينما وجدت «جبهة النصرة» نبحث عن معركة حقيقية. ثم سجّلنا، في الحصة التالية، أنّ المارّين بين الفضائيات، والواثبين بخفة بين العواصم هم أصحاب بزات يبحثون عن معركة رابحة يديرها شباب بالزيّ الباكستاني. أدركنا عندها أنّ في الميدان المعارض رجلين، هما أبو بكر البغدادي وأبو محمد الجولاني. ثمّ طبّقنا المعادلة أعلاه، ونقلنا «الأبطال» و«طلائع صفوف» الدفعة السابقة إلى غبار الأرشيف... أحمد عفش، قائد لواء أحرار سوريا، وخالد حياني، قائد لواء شهداء بدر، مثلاً، أصبح لديهما رقمان متسلسلان في زاوية في كواليس «مسرح» الثورة.
شاهدنا في السنة الثالثة كيف أن من ادعوا يوماً أنهم «ثوار» سوريا، ما استطاعوا أن يحققوا ولو انجازا ميدانيا واحدا يمكن الاعتداد به.
هناك في الكواليس اكتشفنا، أيضاً، رداءة «تمثيل» كثيرين... غسان هيتو عمل مؤقتاً رئيساً لحكومة مؤقتة، وكمال اللبواني، ظلّ معارضاً يبغضه أسوأ المعارضين.
واكتشفنا أن ثوار الشام «ممانعون»، أيضاً، لكونهم يؤيدون بولع التنظيم الذي تضعه أميركا «الانتهازية» على لوائح الارهاب.
عَبَر الخريف مرات ثلاثاً بين الشام وأهلها. في الشمال، في الرقة، حفظنا في حصّة الشِعر، أنه لا بد لليل أن ينجلي... لنرى النهار أسود. ظلمة امتدت لتخطف حياة محمد سعيد رمضان البوطي ولتطيح بأديرة معلولا.
بقعة ضوء وحيدة التفّ حولها حرّاسها. هؤلاء المدافعون عن سوريا ووحدتها عبروا «الثالثة»، وأعادوا منطقة تمتد من الساحل السوري إلى البادية على الحدود مع العراق مروراً بدمشق إلى «بقعة» النور. في هذه السنة ستقدّر عالياً ميزتان غابتا سابقاً: الأمان والاستقرار.
وفي «الرابعة» كرّس الجيش السوري تفوقه. هو درس تعلمه الجميع: ما أن تستطلع وحداته و«الوحدات الرديفة» منطقة إلا وسلّم بـ«نورها» الوشيك.
ستذكر «السنة الرابعة» بلا شك ذاك الرجل الذي ائتلفت أكثر من مئة دولة ضده. أرادت بداية تغيير سلوكه، فلم تنجح. سعت إلى إطاحته فلم تفلح. حاولت أن تغريه ببقاء النظام في مقابل ذهابه، فما قبل. وها هو يستعد لولاية ثالثة، مهّد الطريق إليها دستورياً وعسكرياً وشعبياً.
لم يكن هذا الرجل وحده، ولا قاتل هذا الجيش منفرداً. في السنة الرابعة سلّم الجميع، ممن كان مشكّكاً، بأنّ سوريا لم تقع في هذه المعمعة وحدها.
كُثُر ساندوها، بالمال والعتاد والمقاتلين. حزب الله وطهران وبغداد وبكين وموسكو، كلهم كانوا في الميدان.
في السنة الرابعة تعلّم الجميع أنّ «الدب الروسي» تغيّر. لم يعد يجري حساباته بمنطق التاجر، بل بعقلية الدولة العظمى. إمبراطورية تخشى على أمنها القومي الذي امتدّ إلى أسوار دمشق.
سيبحث كثر في هذه السنة عن أطلال «تنسيقيات» وبقايا «أركان جيش حر». عن «شهود عيان» احتلوا ذات يوم شاشات عشرات الوسائل الإعلامية. سينادي البعض بأعلى صوته على رياض الأسعد وأحمد معاذ الخطيب ولافتات كفرنبل يسألون عن «الحلم» و«الوعد» و«الحرية» و«الازدهار»...
لكن لا «ربيع» لمن ينادي.