سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | دمشق | هنا، في حيّ الميدان الدمشقي، يستعد لجلسة سمر سبعة شبان كانوا من الفاعلين في التظاهرات الاحتجاجية، ولاحقاً في «تنسيقيات» المعارضة الخاصة بالحي.

عرق بلدي، دخان «الحمراء الطويلة»، وإضاءة خافتة، هي طقوس «السهرة العامرة»، تضاف إليها روح الانهزام الطاغية على معظم أحاديثهم.

ينهالُ الجامعي مصطفى بالسباب والشتائم على النظام و«داعش» و«جبهة النصرة»، فهم «صادروا أروع ثورة يمكن أن يشهدها التاريخ، ثورة رسَمها المتظاهرون والجيش الحر بيد واحدة». يسارع راضي، الواقعيّ حسب ما يصفه أصدقاؤه، إلى الرد: «أيه... وأعداد اللصوص في الجيش الحر لا يستهان بها أيضاً». يتعارك الشابان، يبكي أحدهما، ويضطر الجميع إلى مغادرة المنزل؛ «لأن أصواتنا علَت، وهناك شبيحة بين الجيران».
هذا واحد من خلافات «المتظاهرين الأوائل» طلباً لـ«الحرية» قبل أن تخيب آمالهم، حول صحّة حمل السلاح، وصوابية شعار «إسقاط النظام»، وتأثير تماشيهم مع هتاف «الله أكبر» وغيره من الشعارات الفئوية. يرفض العشريني حسن الحديث ووصف حمْله للسلاح بأنه كان خطأً؛ لأنه «كان الطريق الوحيد المفتوح أمام أبناء التضامن. وكل الكلام على السلمية في ذلك الوقت هو مجرد ثرثرة لا طائل منها». وعن تأييده للمصالحات اليوم، يجيب «الثائر» المخذول: «لم يبق منفذ إلا التسويات. الأعراب والأغراب ضحكوا علينا ولم يقدموا الدعم، إلا لألويتهم التي يقودها تجار الدين»... وينهي حديثه ساخراً: «على فكرة، أنا كنت عضواً عاملاً في حزب البعث».
مع عسكرة «الثورة»، رفض كثيرون حمل السلاح. بعضهم فضّل السفر للهرب من واقع تراجع الحركة السلمية. يقول ريبال، الموجود الأردن: «سافرت لأنني لم أعد أحتمل الحالة التي أصابت الشباب الثوري بعد انتهاء زمن التظاهرات. أصبحت الحياة عبارة عن انتظار واهم لنصر لن يأتي، فكان السفر الوسيلة الوحيدة للهرب من هذا الواقع الأسود». أما من لا تسمح لهم ظروفهم بالسفر، فيعيشون اليوم أكثر أيامهم سوءاً. بعضهم أصرَّ على الاستمرار في النشاط، ولكن عبر منظمات المجتمع المدني غير الحكومية (التي تعاظم حضورها في سوريا خلال الأحداث) أو عبر «التنسيقيات» على مواقع التواصل الاجتماعي.
تصبُّ سلمى، الناشطة سابقاً في «تجمع شمس»، اللوم على النظام وحده؛ «فلو تعامل مع المتظاهرين بأسلوبٍ مغايرٍ، لما وصلنا إلى هذه الحال». وتضيف في حديثها مع «الأخبار»: «كنا مجموعة من الوطنيين والوطنيات، نشارك في التظاهرات وننشر قيم الوحدة الوطنية. بعد التسليح لم يبقَ لنا دور. المعارك قضت على الحركة المدنية». أما رهام فتقول: «سابقاً كنت من المشاركات في إحدى الجمعيات التي تهتم بالنازحين في المدارس، كنت أدرّس الأطفال اللغة الإنكليزية. الآن أنا مهتمة بالجانب النفسي للأطفال؛ إذ نقوم أنا ومجموعة أخرى بنشاطات خاصة بهم». ولدى السؤال عن مصادر تمويل هذا النوع من الجمعيات، تجيب: «لا يهمني من أين يأتي التمويل، الأهم عندي أن هذه الأعمال تشعرني براحة الضمير، فعلى الأقل لم أبقَ في منزلي عاجزة».
بعيداً عن المغالاة في التشاؤم أو التفاؤل، يشرح أنس رؤيته لما جرى: «التظاهرات السلمية واجهت بطش الأجهزة الأمنية من جهة، وتعرّضت للتضييق نتيجة التسليح من جهة أخرى. من يتشاءم أو يفرط في التفاؤل لا يفهم الظرف السياسي الحالي، ولذلك يشعر بالانهزام ويغرق بالعبثية». يبادر رفيقه جواد في الحديث: «العمل على توحيد صفوف الوطنيين، ممن يرفضون التدخل الخارجي والواقع الاقتصادي الاجتماعي، وهؤلاء كثر بغض النظر عن انتماءاتهم الحالية، هو ما سيجعل من المستقبل القادم لسوريا وشعبها مستقبلاً مشرقاً».

شعلة «التنسيقيات» تخبو
كانت «التنسيقيات» إحدى أهم الأدوات التي استخدمها المعارضون في نشاطهم؛ إذ لم يقتصر دورها على بثّ آخر الأخبار، بل كانت، حسب مدير صفحة «تنسيقية حي القابون»، «وسيلة للتنظيم بالدرجة الأولى، فغالباً ما كنا نتمكن من التواصل مع الشباب المعارضين في الحي، ونتفق على تفاصيل الخروج في التظاهرات». وفي الإجابة عن التساؤل عن خفوت نشاط «التنسيقيات» اليوم، وتوقف الكثير منها عن العمل، يقول الشاب الذي رفض الكشف عن اسمه: «السبب في ذلك لا يعود إلى تباطؤ مديري الصفحات أو تقاعسهم، بل إلى عدم تفاعل الناس مع التنسيقيات. إذا استطعنا أن نرسم مخططاً بيانياً لنسبة تفاعل الناس مع التنسيقيات، فسنراه في هبوط مستمر منذ توقّف التظاهرات على الأرض».