سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | دمشق | منذ بداية الأزمة السورية، ساهمت أحداث العنف التي أخذت تتسع تدريجياً في زيادة الميل العام لدى العلماء والمختصين والتقنيين السوريين للهجرة إلى خارج البلاد، لاسيما مع ما رافق هذه الأحداث من تراجعٍ ملموس في أداء بعض المؤسسات العلمية السورية، وبالتالي انسداد الأفق، نسبياً، أمام الكفاءات العلمية للاستمرار في عملية الإنتاج العلمي. غير أنه وفي كثيرٍ من الحالات لم تسمح الظروف المادية المتردية للعديد منهم بتغطية التكاليف الباهظة التي تتطلبها الإقامة خارج البلاد، وهؤلاء، تحديداً، شكَّلوا هدفاً دائماً بالنسبة إلى «الكتائب والألوية» التي بدأت بالتشكَّل والتنظيم بين عامي 2011 و2012.


وينقسم استهداف الكوادر العلمية، من حيث الغاية، إلى قسمين رئيسيين: الأول، هو انتشار ظاهرة اختطاف الأطباء والتقنيين السوريين، بهدف ابتزاز ذويهم مادياً، وإذا كان الأهل متيسرين مادياً، فإن خطر الاختطاف من جديد، والابتزاز من جديد، سيكون حاضراً.
أما الثاني، فهو الاستهداف المتعمَّد للعلماء السوريين، حيث يجري الحديث عن مبالغ طائلة تؤمنها جهات دولية وأجهزة استخبارات عالمية مقابل تلك الاستهدافات. يروي الطبيب السوري شادي.ت، المقيم حالياً في مصر، في حديثه لـ «الأخبار»: «تعرّضت للاختطاف في مدينة درعا على أيدي مسلحي المعارضة، وتكفلَّت عائلتي بدفع أربعة ملايين ليرة سورية (30 ألف دولار) لإطلاق سراحي، بعد تعرضي للضرب المبرح. وبعد سبعة أشهر، تم اختطافي من قبل عصابة مسلحة تقتصر عملياتها على عمليات السلب، دون أهداف سياسية، حيث تم إطلاق سراحي بعد دفع ما يقارب المبلغ الأول. وبعد خروجي قررت الهجرة إلى مصر، حيث لم تعد الحياة في سوريا آمنة». وإحدى أكثر الاغتيالات التي كثر تداولها بين السوريين، وضجّت فيها مواقع التواصل الاجتماعي، كانت اغتيال المخترع السوري، عيسى عبود، الذي استطاع أن يتجاوز التخلّف الحاصل في آليات التعليم السورية، ليحصل على جائزة «الويبو» الذهبية، في مدينة جنيف السويسرية، ولينال، في سنة 2000، لقب أصغر مخترع في العالم، عندما كان في السادسة عشرة من عمره.
حيث قام عبود بحوالي 18 اختراعاً، كان أهمها براءة اختراع تتيح إمكانية تخزين المعلومات الرقمية (صوت وصورة) في ذاكرة الخلايا العضوية لدماغ الدجاجة. وفي عام 2011، قتل عبود، برفقة ابن عمه، في شارع «الحضارة» بمحافظة حمص، على أيدي مسلحين مجهولي الهوية، قاموا بالتمثيل بجثتيهما، بعد قتلهما على خلفياتٍ اتضح لاحقاً أنها طائفية. وفي ذات السنة، اغتيل في مدينة حمص المهندس النووي، أوس عبد الكريم، الذي كان يقود سيارته برفقة زوجته، عندما انهال المسلحون على سيارته بالرصاص، فسارع في القيادة بعد أصابته في عنقه ليوصل زوجته إلى مكان آمن، نسبياً، ثم فارق الحياة.
كما شهدت حلب اغتيالاً مماثلاً للدكتور سمير رقية، المختص في هندسة الطيران، والذي عُرف عنه خروجه عن منطق الانقسام العمودي ما بين مؤيد ومعارض خلال تدريسه الطلاب في جامعة حلب، إذ جرى اختطافه من قبل التنظيم المسلّح الناشئ عام 2012 في حلب، تحت مسمى «كتيبة شهداء حلب للمهام الخاصة», لينتشر مقطع مصور بعد أسابيع، يظهر فيه الشهيد منَكَّلاً بجثته التي ظهرت عليها علامات التعذيب.
وفي ذات السياق، طالت الاغتيالات عقولاً تكتسي أهمية بالغة في المجال العسكري، خصوصاً في إطار الدفاع الجوي، كالدكتور والعالم في مجال صناعة الصورايخ، نجيب زغيب، الذي قامت مجموعة مسلّحة بقتله مع عائلته، لتتلقف صحيفة «هآرتس» الصهيونية الخبر بسرعة وتبارك نجاح المعارضة المسلحة باغتياله. ولم يقتصر الأمر على الأفراد العاملين في مجال الدفاع الجوي، بل طالت اعتداءات المسلحين، تخريباً متعمداً لأنظمة الدفاعات في أكثر من مرة، كان أبرزها اقتحام قاعدة «مرج السلطان» في ريف دمشق، وتخريب كبائنها الإلكترونية، بالإضافة إلى إتلاف أهم رادارين سوريين، في ذلك الحين. حيث أظهر تصوير مسجل عملية اقتحام عناصر من «الجيش الحر» للقاعدة، تحت صيحات «الله أكبر»، قبل أن تجري عملية تخريب مقصودة للرادارات، التي لا يمكن للمسلحين الاستفادة منها في سياق المعارك مع الجيش السوري.
والجدير بالذكر، أن الكثير من الاغتيالات التي طالت الخبرات العسكرية السورية كانت بعيدة عن متناول الإعلام، ما جعل البعض يذهب حد الاعتقاد أن هناك سرية مفروضة على الكشف عن «الانتصارات» التي يحققها العدو في هذا المجال. يقول مصدر عسكري سوري، رفض الكشف عن اسمه، في حديثه مع «الأخبار»، أن: «القضية ليست متعلقة فقط بالسرية، فنحن، في طبيعة الأحوال، نعيش حرباً يذهب ضحيتها الكثير من السوريين كل يوم، وهذا ما يجعل من إمكانية توثيق استهدافات كل الكوادر العلمية السورية مهمة ليست بالسهلة أبداً».
وانفجرت، بالتزامن مع كلّ تشييع لأحد الكوادر العلمية السورية، موجةٌ عارمةٌ من الامتعاض والاستياء إزاء الإهمال واللامبالاة التي تبديها الحكومة اتجاه واجبها في حماية هؤلاء الكوادر. ويستغرب البعض كيف تؤمَّن الحماية لذوي المسؤولين السوريين، بينما يبقى عالِماً في مجال الصواريخ بلا عناصر مرافقة تحميه، في انعكاس للخلل القائم في العلاقة ما بين جهاز الدولة في سوريا والكفاءات العلمية فيها.
وعلى مدار السنوات الثلاث المنطوية من عمر الحدث السوري، تركت اغتيالات العقول السورية الباب مشرَّعاً للحديث عن إمكانية سدّ الفراغ الناشئ، عقب هذه الاغتيالات، عبر استيراد الخبرات العلمية من خارج سوريا، بما يزيد من كلفة الإنتاج العلمي والتقني أولاً، ويحدُّ من الاستقلالية والسرية العلمية التي تتطلبها عملية الإنتاج تلك، لاسيما الإنتاج العسكري، تالياً.