سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | ريف دمشق | الطبقة العاملة في دمشق وريفها، اليوم، أشبه بجيش كبير... أعزل. يدفعها طلب لقمة العيش إلى مواجهة الانهيار المرتّب للاقتصاد السوري، فتواصل «تشغيل» هذا الأخير تحت نيران المعارك الحامية.

لم يعد كافياً أن تبيع الطبقة العاملة «قوّة عملها» لكي تبقى على قيد الحياة، بل بات لزاماً عليها، أيضاً، أن تدفع حياة بعضاً من أبنائها ثمناً لكي يعيش الآخرون.

قسم واسع من المصانع في سوريا يقع في المناطق الصناعية في ريف دمشق، الشركة الخماسية ومعامل الغزل في حرستا، تضم كلاهما أكثر من ستة آلاف عامل، وتجمّع معامل النايلون والبلاستيك في منطقة الصناعة، بالقرب من كراجات السيدة زينب، جنوب دمشق. أمّا أكبر تجمّع صناعي في ريف دمشق فيقع على طريق درعا الجنوبي، في منطقة حوش بلاس الصناعية، بالقرب من بلدة سبينة، إذ تضم تلك المنطقة معامل الكابلات العامة والخاصة، ومعامل الدبس للغزل والنسيج العامة، إضافة إلى المعامل الخاصة بالصناعات الغذائية والتحويلية والمعدنية والمطابع. ويمتد تجمّع العمال هذا إلى منطقة الباردة، بين مدخلي صحنايا والكسوة من جهة طريق درعا الدولي، وتضم تلك المعامل عشرات آلاف العمال، الذين لا يزالون حتى الآن يشغّلون قسماً كبيراً من تلك المدينة الصناعية الكبيرة.
دارت العديد من المواجهات الحامية في تلك التجمّعات العمالية الضخمة (حرستا ومنطقة حوش بلاس مثلاً)، ومع ذلك استمر العمل فيها. يقول أبو فهد، عامل في معمل «كونسروة» على طريق درعا، لـ«الأخبار»: «لم يتوقف العمل إلّا لأيام معدودة بشكل متقطع في الأعوام الثلاثة الماضية. لا خيار أمامنا سوى مواصلة العمل». يتحدث عمال تلك المنطقة عن مفارقات جرت معهم خلال الحرب، فقد حصلت مواجهات حول أماكن عملهم، بينما استمروا بالعمل داخلها من دون توقف. «في بعض الأحيان كان صوت الماكينات العالي يحول دون سماع أصوات الرصاص والقذائف في الجوار. قتل الكثير من العمال نتيجة وجودهم في ميدان المعركة»، يقول أحدهم.
تروي عاملة في معمل «السماح للجوارب»، في منطقة الصبّورة، شمال غربي العاصمة، لـ«الأخبار»، «قصة معملها» أثناء إحدى المواجهات، «عندما قامت عناصر من الجيش باقتحام المعمل، وفوجئت بوجود أربعين عاملاً وعاملة فيه رغم أن معركةً كانت تدور خارجه. قال لنا أحد الجنود إنّ أجهزة اتصالات الجيش كشفت وجود إشارات عشرات الهواتف المحمولة، فظنّ الجيش أن المعمل بات مقراً للمسلّحين وقرّر أن يقصف المكان، إلا أن أحد الضباط استمهل المدفعية للتأكد من ذلك... فكانت المفاجأة». مع ذلك «استمر العمل في الأيام التالية، ولكن مع إطفاء الجوالات قبل الدخول إلى المنطقة».
يتلقّى العمال أجوراً منخفضة، رغم المخاطر العالية التي تواجههم، إذ يبلغ متوسط الأجر الشهري للعامل في القطاع الخاص حوالى 15 ألف ليرة سورية (100 دولار)، وفي القطاع العام 20 ألفاً وسطياً. علي، عامل شاب من حوش بلاس، والد لطفلين ويسكن في منطقة قريبة من معمله، يقول: «لا يلبّي هذا المبلغ ربع الحاجات الضرورية شهريّاً لأسرة صغيرة. لكن لا توجد بدائل أخرى أمامنا، فمعظم العمال من الذكور يواصلون العمل، كوقت إضافي، لتحسين أجورهم قليلاً، ومنهم من يعمل بمهنة إضافية بالمردود ذاته أو أقل». يشرح علي التغيّرات التي طرأت في أوساط العمال، خلال السنوات الثلاث الماضية: «دخلت أنواع جديدة من العمالة إلى سوق العمل، كالأطفال والنساء وبعض المعوقين. والسبب أنّ العديد من العمال الذكور اختفوا تماماً من سوق العمل، نتيجة تعرضهم للقتل أو الخطف أو الاعتقال، أو لسفرهم خارج البلاد». «الأصناف الجديدة» من العمال مرغوبة لدى أرباب العمل «لكونهم يداً عاملة رخيصة أولاً، ولأنهم لا يجلبون وجع الرأس لأرباب العمل، مثلما يفعل العمال البالغون من الذكور، الذين قد يؤثر انتماؤهم السياسي على العمل، أو قد يكونوا من المطلوبين للخدمة الإلزامية»، يروي صاحب أحد المعامل.
أمّا العمال الذين فقدوا أعمالهم نتيجة توقف معاملهم نهائيّاً في بعض المناطق المتوتّرة، كالغوطة الشرقية وداريا، فقد تنقّل الكثير منهم بين مهنٍ مختلفة.
ويروي أبو سليم، بائع خضر في صحنايا، جنوب غربي دمشق: «فقدت مهنتي الأساسية، النجارة، وتنقّلت بين العديد من المهن. عملت كميكانيكي وكعامل بناء وفي ورشة حدادة، فلم أفلح في أي منها، واستقرّ بي الحال أخيراً كبائع خضر». وسبب ذلك، برأيه، أن مهنته الأساسية والمهن التي تنقّل بينها، «ليست شغّالة، فلا أحد يقدم اليوم على البناء أو شراء الأثاث في ظل هذه الظروف الصعبة، أما المهن التي تقدم خدمات استهلاكية، كبيع الخضر، فلا تتوقّف حتّى في أحلك الظروف». الكثير ممن فقدوا أعمالهم، لم يتمكّنوا من إيجاد عمل جديد، فلجأوا إلى فتح «بسطة» متواضعة، برأس مال بسيط. اليوم على امتداد شوارع العاصمة، تنتشر عشرات البسطات لبيع الدخان أو المتة أو الخبز أو لتحويل رصيد للهواتف المحمولة...