سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | دمشق | لم يكن انتصار يبرود حلماً صعباً بالنسبة إلى حسام، الجندي السوري الذي لم يرَ عائلته في دير الزور منذ ثلاث سنوات. كان يدرك، مع عائلته الثانية، أن العزيمة وإتقان العمل سيحسمان المعارك سريعاً. عائلته الجديدة مكونة من خمسة شبّان، اثنان منهم من الساحل السوري، والباقون من ريف حلب والرقة ودمشق. يشدّ يده على بندقيته، مشيراً إلى أنها أقرب الرفاق إليه، فقد أبعدت عنه شبح الموت مراراً. ليلى، اسم حبيبته، منقوش على «حارسته». يقول: «كل منّا لديه ما يقاتل لأجله.


وكل ما نقاتل من أجله يمثل سوريا. هُم يدّعون القتال لأجل الحرية ودفع الظلم، إلا أن الزمن أثبت من يكونون الظلّام». يشير إلى رفيق له من اللاذقية، خسر خطيبته في انفجار السبع بحرات وسط دمشق منذ أكثر من سنة، ويضيف: «علي أقرب رفاقي إليّ. منه عرفت أخبار الظلم الواقع على مدنيي اللاذقية. وحلمت معه بقضاء عطلة صيف في قريته الساحلية بعد أن يحل السلام».
أحلام الجنود متواضعة. هي أقل بكثير من الجهود التي يبذلونها على الأرض. يخرج أكثم من معركة يبرود بوجه مغبرّ وبنطال ممزّق وحذاء مهترئ يثير سخرية رفاقه. أثناء تقدّم أكثم مع رفاقه تمزّق بنطاله جرّاء احتكاكه بغصن شجرة حمَته من رصاص القنص. الجندي الطرطوسي السعيد بدرء الخطر بعيداً عن شمال دمشق، يتمنى أن ينتهي من جميع المهمات الموكلة إليه، كي يعود إلى مزرعته الصغيرة في ريف طرطوس، ويعمل فيها بأمان. لا تختلف أحلام شادي عنه، هو جندي يخدم العلَم في العتيبة جنوب دمشق. لم تبقَ منطقة ساخنة لم يقاتل فيها الشاب العشريني. «لم تكن الإصابة أقسى ما تعرّضتُ له، بل استشهاد رفاقي»، يقول. ويضيف: «كنتُ أتخيل ماذا سأقول لأمهاتهم أو زوجاتهم أو أبنائهم، وأسأل نفسي: لماذا لم أمت بدلاً منهم، بما أنني غير متزوج، وليس هناك من ينتظرني. ثم أتذكّر أمي ودموعها، فأندم». لم يحلم الشاب بالعودة إلا من أجل أمه، التي لم يمضِ عيد الأم معها منذ سنتين. «أمي امرأة فقيرة ومكافحة. كانت تستحق حياةً أقلّ قلقاً وأوفر سعادة»، يضيف.
في الجيش تكثر لدى الشبان روح الدعابة. في كل مجموعة هُنالك شاب «يشيل الهم عن القلوب المشتاقة». مازن، شاب من إدلب، قاتل في بابا عمرو والقصير ثم في غوطة دمشق. يرافق أكثر الجنود نكداً، حسب تعبيره، إذ إن رفيقه محمد، الشاب الدمشقي المنطوي، لا يمكن أن يبتسم إلا أمام دعاباته التي تستحق تصفيق الجنود دوماً.
الدعابات بعيدة عن حياة غيفارا، الفنان التشكيلي الذي صار جندياً في أكثر مناطق الحرب شراسة. سنتان من عمره مضتا في الغوطة الشرقية، والسنة الأخيرة أمضاها ضمن بلدات طريق المطار المتوترة باستمرار. كل الأحداث العصيبة التي عاشتها دمشق، وتصدّرت نشرات الأخبار، عاشها غيفارا. تعرّض للحصار والإصابة مرات عدة. يتساءل طوال الوقت إن كان يستطيع يوماً أن يترك القتال ويعود إلى الرسم، ويقول: «لعلّ الكثير من الأطفال سيتمكنون من رسم الجمال في الحياة التي أتركها لهم، بدلاً من عودتي إلى الرسم». تتأثر معنويات الجنود بالنصر أو الهزيمة في منطقة ما. يتبادلون الأخبار في ما بينهم بسخط، ويرددون: «نحن لسنا إلا أرقاماً لا يشعر بها أحد». غير أنهم ينهضون سريعاً عندما تزف لحظة المهمة الصعبة، ويمضون إليها بحماسة. أما ساعات تعرّضهم للحصار، فهي أكثر الأوقات التي يتفرّغون فيها لتبادل الأحاديث والذكريات وبث الأشواق. وهي كذلك أفضل الأوقات لتبادل النكات ودندنة المواويل، فيما لحظات الجوع هي الأسوأ. ابتكار الأطعمة الجديدة هو ما يجعل الجندي الأجدى نفعاً، بالنسبة إلى رفاقه. يحاول كل منهم صنع أطعمة متواضعة وسهلة ومشهورة في البلدة التي أتى منها، حتى أصبح الجميع خبراء في وصفات المطبخ السوري على اختلاف اتجاهات المدن.
في أوقات الحصار، لا يوفّر الجنود أوراق الشجر والحشائش. وأسوأ المهمات، بالنسبة إلى الجميع، هي التي يعود منها المقاتل دون رفيقه. أما لحظات الاتّصال مع الأمهات والحبيبات، «فهي لحظات الحنان والطفولة» التي يمضيها الشبّان. هكذا يصفها حيدر، الذي يقاتل منذ ثلاث سنوات.
ويقول غيفارا: «نبدأ جميعنا بالسخرية من رفيقنا عند اتصاله بحبيبته. صوته الأجش يتحول إلى صوت ناعم ودافئ، ونبدأ جميعنا في تقليده. ننسى أنفسنا حين نكون في الموقف نفسه، ويصبح جلّ همّنا الضحك والسخرية وإحراجه». يحمل كلّ من هؤلاء الشبّان صوراً عن مدينته أو بلدته الصغيرة. يحكي عنها للآخر، الذي يبادله الحكايات، فيرسمون جميعاً الخريطة المتكاملة لبلد ضيّعت ملامحه الحرب.

يمكنكم متابعة مرح ماشي عبر تويتر | @marah_mashi