حذرت هيئة التنسيق النقابية من انفجار اجتماعي سيكون أقصى من الانفجار الأمني، إذا لم يسارع المجلس النيابي إلى إصدار قانون سلسلة الرتب والرواتب بمعزل عن الإيرادات الضريبية، وبما يعطي المعلمين والموظفين حقهم الكامل بنسبة تصحيح 121% كحد أدنى أسوة بالقضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية.


وجددت الهيئة دعوتها إلى التزام الإضراب العام والشامل، مؤكدة أهمية المشاركة الكثيفة في الاعتصام المركزي أمام المجلس النيابي مع الحفاظ على توصية أخذ تفويض الجمعيات العمومية بتنفيذ أشكال التصعيد المشروعة من إضرابات واعتصامات وتظاهرات، وصولاً إلى الإضراب العام المفتوح ومقاطعة أعمال الامتحانات الرسمية.
ووسط هذه الأجواء التصعيدية، قصدت هيئة التنسيق تسريب قيام عدد من كوادرها النقابية بوضع استقالاتهم في تصرف التيارات السياسية التي ينتمون إليها، لرضوخها لضغوط تجمع أصحاب الرساميل. إلّا أنّ منسق قطاع التربية والتعليم في تيار المستقبل د. نزيه خياط، نفى لـ«الأخبار» أن تكون كوادر التيار معنية بهذه الاستقالات، بل «على العكس فقد قمت شخصياً بزيارة المناطق لحث المعلمين على المشاركة الكثيفة في تحرك هيئة التنسيق النقابية». وقال إنّ ثمة لقاءً سيعقده المكتب والهيئة النقابية في التيار، اليوم الثلاثاء، مع النواب محمد الحجار وجمال الجراح وغازي يوسف، بهدف إبلاغهم الموقف المؤيد لإقرار السلسلة والرافض لربطها بالتمويل؛ «لأنّ التمويل من مسؤولية النواب والدولة».

اتجاه إلى عقد
جلسة للجان
النيابية المشتركة الجمعة المقبل
وعشية الإضراب، عقد وزير المال علي حسن خليل اجتماعين صباحيين، الأول مع أمين سر تكتل الإصلاح والتغيير ورئيس اللجنة النيابية الفرعية النائب إبراهيم كنعان، بحضور النائب علي بزي، والثاني مع وفد مصغر من هيئة التنسيق. وفي الاجتماعين، أعلن خليل أننا «ماضون في إقرار السلسلة بغض النظر عن كلفتها ومصادر الإيرادات لتمويلها». وقال إنّ الوزارة تعكف على دراسة الإيرادات الضريبية لتغطية العجز الإضافي، بما في ذلك العجز الناتج من السلسلة.
في لقائه مع هيئة التنسيق، أكد خليل أنّه لا يرى ضرراً من فرض ضرائب على الربح العقاري والمصارف. أما في لقائه مع كنعان، فاقترح أن يصار إلى دعوة اللجان النيابية المشتركة، الجمعة المقبل، على أن تحدد جلسة تشريعية الاثنين 7 نيسان المقبل أو الأربعاء 9 منه، لإقرار السلسلة. لكن خليل لم يذكر ما إذا كان هذا الاقتراح صادراً عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، أو أنّه مطروح للنقاش قبل عرضه على بري.
من جهته، لم يصدر عن كنعان ما يشير إلى موافقته على ما طرحه خليل أو معارضته، وبدا أكثر اهتماماً بنقاش الأخطاء التي ظهرت في احتساب الأرقام؛ إذ تفيد وزارة المال بأن الكلفة الإجمالية للسلسلة هي 2850 مليار ليرة لبنانية، أي بزيادة 491 ملياراً عن الأرقام التي أوردتها اللجنة النيابية الفرعية، فيما أشار رئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشماس في مؤتمره الصحافي إلى أنّ هناك خطأً في جمع الإيرادات المقترحة بقيمة 100 مليار ليرة لبنانية.
على كل حال، إنّ سطوة تجمع أصحاب الرساميل تأكدت في ما سماه شماس «مذبحة بحق المواطن والاقتصاد». هو لم يتردد في القول إن «اعتراض الهيئات هو على كيفية تمويل السلسلة، أي على الصفحات الثلاث في تقرير اللجنة المصغرة المتصلة بالضرائب». واستغرب توصيف هيئة التنسيق ما حصل بالإهانة، قائلاً: «نحن لا نهين هيئة التنسيق، والهيئات الاقتصادية حريصة على الأمن الاقتصادي في لبنان». وفيما أطلق شماس موقفاً باسم الهيئات الاقتصادية يقول إن «من يقف ضد السلسلة هو بلا قلب، ومن يقف مع تمويلها هو بلا عقل»، حمّل الحكومة السابقة مسؤولية «وضعنا وجهاً لوجه مع هيئة التنسيق النقابية، وهذا خطأ فادح».
لم تتأخر هيئة التنسيق في الرد على مواقف جمعية التجار وشركائها في الهيئات الاقتصادية، في مؤتمرها الصحافي في نقابة المعلمين. وقال رئيس النقابة نعمه محفوض إنّه «لا يمكن فهم هذه المواقف إلاّ في سياق الإمعان في إنكار حقنا، إذ لا معنى إطلاقاً لتأييد السلسلة ما لم يقترن بالاستعداد لإصلاح النظام الضريبي القائم الذي يكافئ الريع ويعاقب الإنتاج، ويكافئ صاحب الثروة ويعاقب صاحب الأجر». محفوض وصف الكلام عن القلب والعقل بالـ«هرطقة الإنشائية الفارغة؛ إذ كيف لرئيس جمعية التجار أن يفسر مليارات الدولارات التي تجنى سنوياً كأرباح للتجارة بالعقارات، وهي غير مكلّفة أيَّ عبء ضريبي يوازي على الأقل العبء الضريبي المنخفض الملقى على أرباح الشركات الخاصة، ومنها الشركات التجارية، وكيف له أن يفسّر الفوائد الطائلة التي تجنيها قلّة من أصحاب الودائع الكبيرة وغير المكلّفة إلا بضريبة هزيلة نسبتها 5% فقط».
وأنعشت الهيئة عقول أصحاب الرساميل وقلوبهم حين طلبت منهم أن يفسروا لأصحاب الأجور الذين لا يحظون إلّا بأقل من ربع الناتج المحلي كيف يدفعون ضرائب على أجورهم بلغت قيمتها في العام الماضي نحو 587 مليار ليرة، في حين أن كل حصيلة الضرائب على الأرباح لم تتجاوز 973 مليار ليرة، أي «إننا نسدد ما يوازي 60% مما يسددونه على أرباحهم، ونضطر إلى تحمّل عبء الضرائب على استهلاكنا التي لا تصيبهم بشيء».
القلب والعقل يقولان، بحسب محفوض، إنّ «الضرائب يجب أن تصيب من يملك ويجني الأرباح والريوع، فالثروات التي تراكمت لدى القلة القليلة في العقدين الماضيين كانت أجورنا مصدراً رئيسياً من مصادرها، وبالتالي يجب استعادة ما هو لنا، وسنستعيده».
رفضت هيئة التنسيق الحجج المعلنة، «فلا دخل لنا بأخطاء حسابية من هنا أو من هناك، هذه مشكلة من يُجري الحسابات، ما يعنينا هو إقرار الحقوق ثم الحقوق ثم الحقوق».
وأكد محفوض أنّ «بتّ تمويل الكلفة لا يجوز أن يعرقل إقرار الحق، ومحله في الموازنة العامّة للدولة التي يُفترض أن تتضمن كل نفقات الدولة وكل إيراداتها من دون تخصيص إيراد لنفقة معينة».
وذكّرت الهيئة أنّه لم يصدر منذ عام 2005 أي قانون للموازنة العامّة، وبالاستناد إلى الأرقام الصادرة عن وزارة المال، ارتفع الإنفاق بين عامي 2005 و2013 من 11833 مليار ليرة إلى 20500 مليار ليرة، أي بزيادة 8667 مليار ليرة غير ملحوظة في آخر قانون للموازنة. في المقابل، ارتفعت الإيرادات من 7405 مليارات ليرة إلى 14500 مليار ليرة. وبالتالي ارتفع العجز من 4428 مليار ليرة إلى 6000 مليار ليرة. وزاد الدين العام في الفترة نفسها بقيمة 37707 مليارات ليرة. حصل كل ذلك، ورواتب الموظفين مجمدة. ورأت الهيئة أنّ «هذه الجولة من المعركة تدور على جبهة الضرائب»، معلنة تمسكها بإشراك هيئات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب والمنظمات في المطالبة بإقرار قانون عادل يوزع العبء الضريبي بحسب الثروات، ووضع حد لدولة الهيئات وحماية ما بقي من دولة الرعاية الاجتماعية. إلى ذلك، أعلن اتحاد النقابات العمالية للمصالح المستقلة والمؤسسات العامة في بيان أمس، مشاركته في الإضراب غداً الأربعاء.


■ للإطلاع على النص الكامل للمؤتمر الصحافي لهيئة التنسيق النقابية أنقر هنا