عندما يلفظ النائب نديم الجميّل كلمة «صَدَقَ» بدلاً من «صُدّق» على أحد مشاريع القوانين المدرجة على جدول الأعمال، وعندما يُعلّق النائب اسطفان الدويهي على بعض الكلمات بتعابير تحمل إيحاءات جنسية لا تليق بالهيئة العامة، وعندما يستفسر النائب عمّار حوري عن قانونية التشريع أمام وسائل الإعلام، حينها يُمكن القول إن الكتاب الذي أنجزه كل من الأمين العام لمجلس النواب عدنان ضاهر والمدير العام للجلسات واللجان الدكتور رياض غنام، بشأن أصول العمل التشريعي ونظام المجلس، بات أكثر من ضرورة ليكون في متناول أصحاب السعادة، «لعلّهم يفقهون».


هل سمعتم يوماً بمجلس نواب لا يُراعي الأصول التشريعية ولا يناقشها بشكل طبيعي؟ هكذا هي حال البرلمان في لبنان. لا أحد يُمكن أن يفهم «الفوضى الخلاقة» التي تسود عمل الهيئة العامة، بتواطؤ الحاضرين، لتُقرّ القوانين من دون التعمق فيها. الحكومة الحاضرة شبه غائبة عن الوعي. النواب إما مشغولون في خلوات جانبية، وإما شبه نائمين، ما يسمح غالباً بتمرير بعض القوانين أو موادها وبنودها بشكل غير ممنهج. أن يقف أحد النواب لإبداء ملاحظاته عليها فيما يُفضّل زملاؤه التشويش عليه بدلاً من الإصغاء، يعني أن أموراً كثيرة فاتتهم، وأن أغلب القوانين التي يتمّ التصديق عليها، إما أنها لا تعنيهم، وإما أنهم لا يدركون نتائجها. يرفعون أيديهم بشكل عفوي أو بهدف التخلّص من أكبر عدد منها، نتيجة مللهم!

نجح المجلس في تمرير عدد
من المشاريع «على السريع»


حملت تعليقات الدويهي
إيحاءات جنسيّة غير لائقة
فتح مجلس النواب أبوابه من جديد للتشريع. اكتمل النصاب بعد طول تعطيل. وجد ممثلو الأمة أنفسهم أمام جدول أعمال تراكمت فيه المشاريع واقتراحات القوانين، فوصلت إلى سبعين بنداً. لم تنسحب أجواء مجلس الوزراء المتوترة على الجلسة. أصلاً، كان بارزاً غياب السياسة عنها، التي استعيض عنها بالنقاش التقني. رغم الاختلافات حول بعض البنود، استطاع النواب إنتاج 12 قانوناً في جلستهم الصباحية. وعلى عكس الصخب الذي أحاط بالمجلس في الخارج، نتيجة الاعتصامين اللذين نفّذهما مياومو مؤسسة كهرباء لبنان وجمعيات المجتمع المدني المناصرة لتعديل اقتراح قانون حماية المرأة من العنف، بدت الأجواء في الداخل هادئة نوعاً ما.
بدأت الجلسة التشريعية بملء الشواغر في اللجان النيابية بعد توزير عدد من النواب، ثم طلب عدد منهم الكلام ضمن الأوراق الواردة. تناول النائب أنطوان زهرا خطر تزايد أعداد اللاجئين السوريين، فيما انتقد النائب عاصم عراجي محافظ جبل لبنان والبقاع (أنطوان سليمان) الذي «لا يزور منطقة البقاع». أما النائب مروان حمادة فتمنى أن تنجح الخطّة الأمنية في طرابلس، وأعاد النائب سامي الجميّل طلبه إقرار مشروع التصويت الإلكتروني في المجلس. منذ بداية الجلسة، بدا الأخير مستعجلاً لرفعها. استوضح من الرئيس برّي موعد رفعها، مطالباً بتقديم الموعد ساعة واحدة، «مراعاة للنواب المسيحيين الصائمين».
وصلت أصوات المعتصمين في الخارج إلى مسامع الرئيس برّي الذي ظهر مستاءً ممّا حصل، إذ لم يكُن ينقص المجلس بعد غلاء المعيشة والأسعار ومشكلة العمال وسلسلة الرتب والرواتب إلا «غليان النسوان»، على حدّ تعبيره. من الاعتصامات انطلق ليُعيد جملته الشهيرة، وهي أن «رئاسة المجلس لا تقبل أن تُشرّع تحت التهديد»، مع الاعتراف «بمطالبهم المحقّة». بعدها، استعد النواب للبدء بجدول أعمالهم. بدأوا باقتراح القانون المعجّل المكرّر الرامي الى ملء المراكز الشاغرة في مؤسسة كهرباء لبنان عن طريق مباراة محصورة بعمال غب الطلب وجباة الإكراء، وهو البند الأول على جدول الأعمال. بكثير من الملاحظات والسجال التقني، ناقش النواب البند، وخصوصاً أنه جاء بعد لقاء للنائب علي بزي مع وفد من العمال المياومين. حينها ارتأى برّي حسم الموضوع بقوله إن «قانون المياومين وضعه وزير العمل السابق بالاتفاق مع المستخدمين والعمال ووقّع عليه النواب». لكن تشكيك بعض النواب في التصديق على محضر الجلسة السابقة التي ناقشت الموضوع، أدى إلى إرجاء مناقشته إلى الجلسة المسائية، بعد تشكيل لجنة لدرسه في مجلس النواب لدمج القانون السابق مع الحالي، وهي لجنة طالب بها النائب جورج عدوان. ومن القوانين التي أخذت حيّزاً واسعاً من النقاش، قانون الإيجارات. دام السجال حوله قرابة نصف ساعة، بعدها أُقرّ في جوّ من الفوضى، من دون أن يأخذ المشرعون وقتاً في دراسة تداعيات مثل هذا القانون على المجتمع اللبناني، خصوصاً أنه أعطى حقوقاً للمالك أكثر من المستأجر. خلال مناقشته، كان الجميع في وضعية متيقظّة، ربما يعود ذلك إلى كون «النواب كلهم من المُلاك الذين سيستفيدون منه حتماً في الشكل الذي أقرَّ فيه»! بعد طول مدّة من المطالبة بإقراره، فكّ النواب قيود قانون حماية النساء من العنف الأسري. وبالطريقة الفوضوية نفسها، وافق المجلس عليه من دون مناقشته ولا حتى الاطلاع على التعديلات المطلوبة. وحدها كلمة النائب علي عمار في شأن هذا القانون بدت لافتة. أثارت ضحك زملائه من جهة، وسخط الشابات اللواتي مثّلن جمعية «كفى» داخل القاعة. عمار طالب في مقابل إقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري بقانون لحماية الرجال من عنف الجمعيات النسائية التي حوّلت النواب إلى مجرمين، وشهّرت بهم! هنا قاطعه الرئيس بري، قائلاً «ابحث عن غسان مخيبر هو وراء هذه الأمور».
وفي الوقت الذي أرجأ المجلس بتّ مشروع إعفاء كل طائفة معترف بها في لبنان والأشخاص المعنويين التابعين لها من الضرائب والرسوم، ليُصار الى دمجه مع مشروع آخر، نجح المجلس في تمرير عدد من المشاريع «على السريع»، منها: التصديق على طلب الموافقة على الانضمام الى بروتوكول التعاون في منع التلوث من السفن ومكافحة تلوث البحر المتوسط في حالات الطوارئ. قانون إنشاء نقابة إلزامية للممرضات والممرضين في لبنان. مشروع إعفاء أرباح الصادرات الصناعية اللبنانية المنشأ من 50% من الضريبة المواجبة عليها. قانون إنشاء نقابة للقابلات القانونيات في لبنان. منح الحكومة حق التشريع في الحقل الجمركي. مشروع القانون المتعلّق بالإجازة للحكومة إبرام اتفاق بين مجلس الإنماء والإعمار والبنك الإسلامي للتنمية بشأن تعديل اتفاقية الاستصناع لإنشاء شبكات صرف صحي ومحطات معالجة مياه الصرف في إطار مشروع مياه الصرف الصحي في البقاع الغربي. الإجازة للحكومة إبرام اتفاقية تمويل برنامج التعاون عبر الحدود لدول منطقة البحر الأبيض المتوسط مع المجموعة الأوروبية ممثلة بمفوضية المجموعات الأوروبية.