ثمة بنود كثيرة على جدول أعمال الجلسة التشريعية المنعقدة حتى يوم غد الخميس، لم تنل الاهتمام الكافي رغم أهميتها. هذه المشاريع تمثّل مصالح اللبنانيين الاجتماعية والاقتصادية، لكنها بقيت بعيدة عن الاهتمام. لعلّ بعض اللبنانيين لا يرون أنها تخصهم أو تتصل بمصالحهم، أو على الأقل لم تنكشف لهم صفتها العامة. قد يكون الأمر متصلاً بثقافة المجتمع السائدة، التي جرى تكريسها؛ إذ يبدو التشريع كما لو أنه شأن خاص.


بعض هذه البنود بيئي بامتياز، وبعضها متصل بقضايا اجتماعية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبعضها له صلة بأنماط متبعة في النظام السياسي والاقتصادي وذات منفعة خاصة لفئات أو شرائح. بعضها قد تكون منفعته الخاصة ضرراً عاماً، أو يتطلب تمويلاً من الخزينة العامة، أي من المال العام... لكن أبرز هذه البنود الإعفاءات الخاصة التي تعدّ من أبرز الأنماط الواردة في المشاريع المطروحة على جلسة مجلس النواب. فإلى جانب مشروع إعفاء كل طائفة معترف بها في لبنان والأشخاص المعنويين التابعين لها من الضرائب والرسوم، هناك مشروع إعطاء تسامح أقصى فوق مستوى حدود حقوق الارتفاق الخاصة بسلامة الملاحة الجوية... أي إن المخالفات المرتكبة في بعض الأبنية أو الاستثناءات التي أعطيت لبعض المشاريع العقارية، ورغم كونها لا تنسجم مع القوانين اللبنانية، إلا أنه سيجري تشريعها بقلم مجلس النواب. كذلك، يأتي في هذا السياق، مشروع تعديل أحكام قانون الضمان الاجتماعي والإعفاء من زيادات التأخير والمخالفات وإجازة تقسيط الديون المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. أيضاً، هناك مشروع خفض الغرامات على متأخرات تسويات مخالفات البناء، وخفض الغرامات على متأخرات رسوم صندوق الضمان، وخفض الغرامات على متأخرات الرسوم البلدية.

إعفاءات بالجملة
من غرامات
الضمان وتسويات مخالفات البناء
كذلك، هناك مشاريع لاستثناء بعض القطاعات من تسديد الضريبة، مثل اقتراح القانون الرامي إلى تمديد العمل بالقانون رقم 402 تاريخ 12/1/2005 المتعلق باستثناء إنشاء الفنادق من بعض أحكام قانون البناء والمرسوم التطبيقي العائد له، فضلاً عن مشروع إعفاء أرباح الصادرات الصناعية اللبنانية المنشأ من 50% من الضريبة المتوجبة عليها، وإعفاء البلديات المتضررة مباشرة من مطمر عبيه - عين درافيل (الناعمة) الصحي من بعض الاقتطاعات والمتوجبات المستحقة عليها.
هذه الاستثناءات والإعفاءات، هي نمط اعتادته السلطة السياسية المحلية، حتى أصبح هذا الاستثناء يحلّ محلّ القاعدة الأساسية، وباتت مشاريع القوانين أو اقتراحات القوانين المعروضة على مجلس النواب لا تهدف إلا إلى مكافأة التهرّب الضريبي مثل الرسوم البلدية وغرامات الضمان... لا بل إن هذا التكرار ألغى الهدف الرئيسي من الغرامات المفروضة على التأخر عن سداد الضريبة، وبات المكلّفون ينتظرون سنوياً هذا الإلغاء كما لو أنه واقع حتماً، ولم يعد أحد يخاف أو ينضبط تحت سقف القانون؛ لأن السلطة السياسية تقدّم له الحماية من خلال الاستثناءات والتسويات.
ويدلّ الاستثناء المتعلق بإعفاء واردات الصناعة على الإهمال اللاحق بالقطاعات الإنتاجية في لبنان، فالمنحى الاقتصادي في لبنان خلال العقدين الأخيرين لم يكن يذهب في اتجاه تعزيز القطاعات الإنتاجية التي أصبحت في حاجة إلى الدعم من أجل مقاومة الأزمات. لم تنتج السياسات السابقة اقتصاد مقاوم أو ممانع أو لديه الحدّ الأدنى من القدرة على امتصاص الأزمات.
أما المستفيدون من هذه الاستثناءات والإعفاءات، فهم كثيرون. قبل أي شيء، إن هذا الاستثناء لا يميّز بين فقير وثري، بل هو استثناء فئوي تستفيد منه مجموعات معيّنة. فهم إما يقيمون ضمن نطاق بلدي واحد، أو أنهم زملاء في قطاع واحد مثل أصحاب الفنادق، أو تجمعهم صفة قانونية واحدة مثل المؤسسات التي تصرّح عن أعمالها للضمان، أو أنهم عبارة عن فئة تستهدف السلطة السياسية «رشوتها» بطريقة من الطرق لإسكاتها.
وفي عزّ هذا الوضع الذي تبرز فيه مشاريع واقتراحات قوانين على غيرها، تغيب المطالبة بقانون «حق الوصول إلى المعلومات». رغم أهمية هذا المطلب الذي يتيح للبنانيين المشاركة في الرقابة والمحاسبة، إلا أن مشروعاً كهذا لم يأخذ أي صدى في حناجر المحتجين. وهناك بعض المشاريع التي تعدّ أيضاً ضمن الحقوق الأساسية للمقيمين في لبنان، مثل إجراء الفحوصات الدورية المجانية للكشف المبكر عن سرطان الثدي والبروستات، ومشروع تثبيت الأساتذة المتعاقدين للتدريس بالساعة في معاهد ومدارس التعليم المهني والتقني الرسمية، وملء شواغر ملاكات الجامعة اللبنانية من خلال مباريات محصورة.

*للاطلاع على جدول أعمال جلسة مجلس النواب أنقر هنا