جوزيف عيساوي*

لا أذكر لقائي الأول بنزيه خاطر منتصف الثمانينيات. لكن حين دعاني إلى ندوة على شاشة التلفزيون الرسمي، لم تتحمّل المحطة صخبي، ولا مغادرة المخرج ميشال جبر الاستوديو، ولم تُعرض الحلقة. بعد عودته من فرنسا في ستينيات القرن الماضي، دارساً في «اللوفر»، رافق التشكيليين والمسرحيين عاماً في صحيفة بالفرنسية، وصولاً إلى «النهار» التي أسلمته مفاتيح الصالات في بيروت. تعلّم العربية في مكاتبها، وصنع طريقته في النقد الانطباعي وبات سلطة يحسب لها المبدعون حساباً.

سأروي عنه التالي من إحدى جلساتنا في «كوستا كافيه»: كانت «النهار» منحازة إلى فيروز في صراعها على صدارة المشهد الغنائي اللبناني مع النجمة السينمائية الاستعراضية صباح. يقول نزيه: كتبت يوماً نقداً سلبياً عن عمل للشحرورة فتدافع إلى الصحيفة وفد شعبيّ من بلدتها وادي شحرور حيث للنائب غسان تويني (مالك الجريدة) أصوات، استنكاراً للمقال. وحين دخل تويني مكتب أنسي الحاج للاعتراض، أجابه الشاعر والمسؤول الثقافي: إذن تفضل اجلس مكاني! لكن عندما كتب في إحدى المرات إيجاباً عن المطربة عينها، «رمى» (والعبارة لخاطر) المسؤول كلمته في «كعب» الصفحة.
تكرّرت الاحتجاجات على آرائه الحادة أحياناً من تشكيليين. وروى لي أيضاً أنّ أحدهم اشتكاه إلى تويني الذي عرّج على مكتب شوقي أبي شقرا، المسؤول الآخر عن النشر، فراح يهزّ بقلمه «البيك» على الطاولة في دفاع صامت عن حرية الناقد.
بعض مقالاته كان ملتبساً أو ضبابيّ الموقف من الأعمال الفنية التي تناولها. ردّاً على القول اللامع أنه «يكتب بممحاة»، رأى خاطر أنّه لا يطلق الحكم القطعي ثناءً أو ذماً، لأنّه في الحالة الثانية قد يحبط الفنان. وفي الأولى، يدفعه إلى الاسترخاء والكسل الإبداعيين.
رافق خاطر الحركة الثقافية المزدهرة لبيروت، وكان أحد وجوهها البارزة. عاش بين مهرجانات بعلبك وصالات العاصمة ومسارحها ومقاهيها عيناً ذكية، مثقفة، تلتقط الحدث الثقافي وتغزله مقالاً يدفع اسماً الى الواجهة ويمنع أو يعيق وصول آخر. وكان تجاهله أحد الأحداث أقسى على صاحبه من تحطيمه بالكتابة عنه. أذكر وجهه المتهكم وهو يقول إنّه بسبب خياراته تلك، بات رئيس جمهورية كاملة من الأعداء، المسرحيين والتشكيليين. ألم يكن من يمنحهم الأوسمة ودرجاتها أو يحجبها عنهم؟
* شاعر وإعلامي