عصام العبدالله*

كنت أخاف خبره حتى وقع. كنت أتوقّع أن يلوح نزيه خاطر بأوراقه ويمشي هادئاً إلى غيابه الهادئ.
أستاذي وزميلي وصديقي وأحد الذين غسلوا عيوني لأرى وعقلي ليتفتح. بعد أحداث 1958 الطائفية، عُيّن نزيه خاطر أستاذاً للأدب الفرنسي في «ثانوية رمل الظريف» الرسمية. مثقّف ماروني عُيّن ليعلم أولاد المسلمين اللغة الفرنسية وآدابها. وكنت طالباً هناك. وكنت يسارياً بالفطرة ولا تخطر على بالي الطائفية. اعتبرناه في الثانوية أيقونة، وحرسناه وأحببناه وزرناه في بيته في الحمرا، وتجمّعنا حوله كما يتحلق الفراش حول الضوء.

عرّفني إلى مجلة «شعر»، ونبّهني الى مفاهيم الحداثة ولو أنها من ضباب. أخذنا الى المسرح وعرّفنا إلى رموزه وأخذنا الى المعارض التشكيلية، وعرّفنا إلى كبار الرسامين وأخذنا الى جريدة «النهار»، فتفرّجنا كيف تصنع الجريدة، وقرأناها، وكنا نبدأ بمقالته في الثقافة والأدب.
تخرجت في الثانوية ولم أتخرج من مقالة نزيه ولا من صداقته. وعندما أنهيت الدراسة الجامعية في الأدب العربي ونجحت في مباراة أساتذة التعليم الثانوي، رجعت الى «ثانوية الظريف» أستاذاً وزميلاً لنزيه خاطر. وانعقدت بيننا أواصر صداقة بريئة وشفافة. كان يعرض أمامي خطوط ثقافته العريضة، وأنا بدوري آخذه الى مجاهل الأدب العربي، وأعرّفه الى سلطان اللغة، وفرادتها في الاشتقاق وفي الشعر. ربما أنا أسرع في السرد اليوم، ولكن لي موعد مع الكتابة عن نزيه خاطر في الآتي من الأيام.
كان نزيه يغالب الزمان، ويلاعبه ويقيم علاقات جميلة بين أجيال مختلفة، وكنت ألحّ عليه ليكتب كتاباً عن السيرة أو الفن التشكيلي أو المسرح، ولكنه كان يعدني ولا يفي. لأول وآخر مرّة، لم يفِ نزيه بوعده... رحل ولم يترك كتاباً، بل بقي منتشراً في الصحف والمجلات، في الإذاعة والتلفزيون.
قدّمنا معاً برنامجاً تلفزيونياً في «تلفزيون لبنان»: «ثقافة وناس» وخضنا معاً تجربة جديدة، عليه وعليّ، وأظن أن بيروت كانت تنتظرنا.
أغلق نزيه شباكه ونام. أطفأ سراجه ونام. والمدينة ألتي أحبّ، ستفتقده كثيراً كقامة كانت تشتغل لمجد بيروت، وصيتها الرائع في ملف العواصم العربية.
* شاعر