يمكن البدء من أماكن كثيرة. الخلافات لا تعدّ في أوساط أهل الجامعة، وكذلك المخالفات. وليس أسهل من أن يضعها واحدنا أمامه ويبدأ في سرد تفاصيلها المخيّبة للتوقعات غالباً. لكن هذه الأمور تبقى تفصيلية إذا انتبه المستمع إلى أن الشكوى الأساسية التي يكرّرها مختلف المعنيين بقضية الجامعة اللبنانية تعيد المشكلة إلى مكان واحد: إحكام السلطة السياسية قبضتها على الجامعة.


هذه السلطة السياسية هي التي تحول دون تشكيل مجلس للجامعة منذ عام 2004، وتحجب التفرّغ عن الأساتذة منذ عام 2008، وتمنع إنشاء مبانٍ جامعية في مناطق نائية ومحرومة، وتقرّ موازنات مجحفة، وترخّص للمزيد من الجامعات الخاصة، إلخ. كلّ هذا يحصل غالباً بقوة مراسيم و«قرارات» تصدر عن مجلس الوزراء مصادرة صلاحيات الجامعة والقيّمين عليها.
قرارات تخالف القانون، كما قرار مجلس الوزراء رقم 901/ 97 الصادر في 29 آذار 1997 القاضي بـ«وقف التعاقد للتدريس في الجامعة اللبنانية إلا بموافقة مجلس الوزراء»، الذي يتعارض مع قانون الجامعة اللبنانية. وبما أن «القانون أقوى من القرار» كما يقول رئيس الجامعة د. عدنان السيد حسين، يعلن أنه سيطالب قريباً باستشارة من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل للسؤال عن قانونيته، وسيطلب أيضاً من كبار القانونيين إعداد مطالعة قانونية دفاعاً عن استقلالية الجامعة. سيفعل هذا «لأنه من هنا يبدأ بناء الجامعة».
الحديث عن بناء، يعني أن هدماً وقع. وهذا ما لا ينفيه أحد، بحيث يخشى الباحث عن وظيفتها اليوم، أن يكون في صدد التمهيد لتقاعدها بما أنها دخلت عامها الثالث والستين، عوضاً أن يهيئ لها الأرضية لتحتفل باليوبيل الذهبي فخورة بالإنجازات التي تحققها وطلابها.
هذا الشعور بالخشية، ممنوع التعبير عنه أمام أهل الجامعة. الكلّ يشعر بفخر الانتماء إليها، مع الإقرار بوجود مشاكل.
يقول رئيس الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرّغين د. حميد الحكم إن «صورة الجامعة اهتزّت بالتأكيد خلال الحرب الأهلية التي كانت عبئاً ثقيلاً على الجامعة، وخصوصاً بعدما عاثت فيها قوى الأمر الواقع فساداً»، لكنه يستطرد سريعاً: «هناك محاولات دائمة للمعالجة، وقد نجحنا فيها إلى حدّ كبير من خلال الإنجازات التي حققتها الرابطة لتأمين حقوق الأساتذة». وفي هذا الإطار يشير حكم إلى أهمية قانون المجالس الأكاديمية (مجلس القسم، الفرع، الوحدة) «الذي سحب البساط من تحت أرجل السياسيين إلى حدّ كبير. صحيح أن قرار تعيين العمداء مرهون بمجلس الوزراء، لكن هناك من يقدّم الأسماء إليه ليختار منها».
طبعاً هذا لا ينفي أن التنازع السياسي والطائفي لا يزال مستحكماً بعمل الجامعة في كلّ مفاصلها، ما يسبّب قدراً لا بأس به من المشاكل التي تعيشها الجامعة. وهنا يطرح السؤال عن دور أهل الجامعة في عدم الاستسلام لما تمليه «الوصايات» السياسية عليهم: هل هم فعلاً غير قادرين على تجاوزها؟ ولماذا لا ينتفضون؟
هذا ما تطالب به الأستاذة في كلية الإعلام والتوثيق د. نهوند القادري. أن يبادر الأساتذة أنفسهم «من خلال اعتماد آلية عمل مختلفة يشارك أهل الجامعة أنفسهم في صياغتها». ترى القادري أن «الجامعة عندما بُنيت كصرح وطني، لم يجر التفكير بها جيداً، فلم تُعطَ الإمكانات ولم تُرحم. يجب أن تدرك السلطة السياسية أن المحاصصة والتوازن الطائفي والمحسوبيات لا يمكنها أن تنجح في المؤسسات الأكاديمية»، لكنها تستطرد أيضاً: «رغم كلّ شيء، يبقى مستوى الجامعة اللبنانية أفضل من غيره من الجامعات الخاصة، والوضع ليس سيئاً إلى هذا الحدّ». هي تعوّل على تفعيل البحث العلمي في الجامعة «لأننا نكتسب من خلاله خبرات جديدة ومهارات جديدة للأستاذ كما للطلاب، ونؤسس لسلوك علمي لدى الطلاب». برأيها «المطلوب من الجامعة ليس تلبية قطاعات سوق العمل، بل أن تحدّد آليات أن تعالج تشوّهات سوق العمل»، متسائلة: «إذا لم ننتج مفاهيم ونبلورها فكيف ستتطور المهن؟». وتطالب القادري بأن لا يقتصر العمل النقابي على تحصيل الحقوق فقط «بل حماية الأساتذة من التدخلات، العمل على تطوير منهجية التعليم». وتذهب بعيداً في المطالبة إلى أن «تكون لدينا عصبية للجامعة اللبنانية، هذا ليس عيباً، شرط أن يكون هذا من خلال نقاش حقيقي ونقد بنّاء».
قد يكون رئيس الجامعة أقلّ الأشخاص تقبلاً للنقد في موضوع الجامعة. برأيه، الحصار الذي تتعرّض له هذه المؤسسة يتطلّب دعمها، وليس التصويب عليها كما يحصل غالباً. المشكلة بالنسبة إليه أن «قرار الجامعة ليس عندها». تبعية الجامعة للدولة كان يمكن أن يكون أمراً حسناً «لو كانت هناك دولة». لكنه متفائل رغم كلّ شيء «ربما على المدى البعيد، ما يحصل الآن أننا نضيّع الوقت والفرص». ورغم تضييع الوقت هذا، تحققت بعض الإنجازات التي يعرض أبرزها خلال عامين ونصف تقريباً من تسلّمه رئاستها: «إعداد استراتيجية تطوير الجامعة اللبنانية، إصدار تقرير سنوي عن أعمال الجامعة، تثبيت اجتماع دوري لمجلس العمداء، إقامة حلقات نقاش شهري مع مديري الكليات في كلّ لبنان». كما لحظ «استراتيجية لتطوير البحوث العلمية، وقد شكلنا لجنتين: لجنة تطوير السياسات البحثية، ولجنة ثانية لبتّ الطعون بما يخص تقويم الأطروحات والأبحاث، واكب هذا الموضوع زيادة موازنة الأبحاث من مليارين إلى ثلاثة مليارات ونصف». وتوقفت لجنة المناهج عند «تطبيق نظام «أل أم دي»، ومحاولة معالجة ثغره بما يتلاءم مع حاجات الكليات وبرامجها، قمنا بوضع أنظمة للكليات التي لا نظام لها ولا نزال، وضعنا مع عدد من الزملاء القانونيين مشروع قانون تنظيم الجامعة الذي لم يتغير منذ عام 1967».

سيطلب الرئيس استشارة من هيئة التشريع والاستشارات لاستعادة صلاحياتها
وفي النتائج المباشرة «زاد عدد الطلاب في معاهد الدكتوراه. فقد أوفدنا خمسين طالباً متفوقاً إلى الخارج (ومن المرشح أن يرتفع العدد إلى ستين)، وتسهم الجامعة كلياً أو جزئياً من تمويل دراستهم، بالإضافة إلى منح كاملة تضاف إلى الخمسين».
وعلى صعيد الأبنية الجامعية «استطعنا الحصول على موافقة لبناء كلية صحة في الفنار إلى جانب كلية الحقوق، وبناء كلية صحة في البحصاص في طرابلس، كذلك صدر مرسوم يخصص قطعة أرض في إدّه ليكون هناك تكملة لمجمّع الفنار». ويأسف لأن ملف البقاع لم يتحرّك، رغم الطرح المتكرّر للموضوع. ويعيد التذكير بأن الجامعة تدفع سنوياً «أكثر 20 مليار ليرة بدل إيجارات. هذا مبلغ يكفي ليعملوا كلية كل سنة».
إلى هذه الإنجازات، يبقى الكثير من المشاكل العالقة. ففضلاً عن ملفي العمداء والتفرّغ، هناك مشكلة الموظفين الذين تفتقر إليهم الجامعة المحرومة التوظيف منذ 17 عاماً «حرام، هذا مشكل كبير نعيشه. شاخ الموظفون وتقاعد القسم الأكبر منهم. نحن اليوم عندنا تقريباً نحو 1000 موظف ملاك و590 أجيراً والباقي متعاقد بالساعة ومدرّب، وهذا أمر لا يجوز أن يبقى كذلك».
لكن أيّ علاج لهذه المشاكل، لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توحد أهل الجامعة خلف مؤسستهم. فهل تتحقق هذه الوحدة، ظهر اليوم، في الاحتفال الذي تقيمه الجامعة في مجمع الحدث احتفالاً بعيدها؟


يمكنكم متابعة مهى زراقط عبر تويتر | @MahaZaraket




ملف التفرّغ

لا يبدو رئيس الجامعة اللبنانية عدنان السيد حسين، متفائلاً بإمكان إقرار ملف التفرّغ قريباً، كما يروّج البعض. ويطالب بالبحث عن الأسباب التي أدّت إلى سحب الملف عن طاولة مجلس الوزراء في 27 كانون الأول 2012. وفيما يؤكد أن وزير التربية والتعليم العالي الياس أبو صعب لم يتلقّ الملف بعد «لكنه سيطّلع عليه بالتأكيد»، يؤكد حصول تغييرات فيه «سقط ثلاثون اسماً لأسباب مختلفة: منهم من سافر ومنهم من وقّع عقوداً نهائية مع جامعات خاصة».