منتصف الليلة الماضية، أحيل رئيس جهاز أمن السفارات في قوى الأمن الداخلي، العميد نبيل مظلوم، إلى التقاعد، ليُضاف مقعد جديد إلى لائحة الشغور في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي. المركز من "حصة الطائفة الشيعية"، بحسب التقسيم المذهبي المعمول به في المديرية. نظرياً، لا مُشكلة. منذ عام 2005، يتولى ثنائي حركة أمل وحزب الله اختيار المرشحين وفق آلية اتفقا عليها: المراكز موزعة بينهما. يسمي أحدهما مرشحاً للمركز الذي "يخصّه"، فيما يملك الثاني حق الفيتو على الاسم المقترح. وبعد الاتفاق، يجري تبليغ الاسم إلى الجهة المعنية، فتعيّنه. وفي آخر عهدين في "أمن السفارات"، صار هذا الموقع من حصة الحزب. وهكذا جرى. المرشحون لخلافة مظلوم كثر، أبرزهم ثلاثة: العميد خليل الضيقة، العميد وليد جوهر والعميد حسام التنوخي. الأخير، كان الأوفر حظاً. فعلاقته بحزب الله جيدة جداً. يتحدّث باسم الحزب في المديرية، ويجاهر بتأييده للمقاومة. وهو كوّن مع العميد وسام الحسن (وبعد استشهاد الأخير، مع العميد عماد عثمان)، قناة اتصال خلفية لم تنقطع في أحلك الظروف بين الحزب وتيار المستقبل. ويُستدل على صلته الوثيقة بالحزب برسالة بعث بها إليه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، يصفه فيها بـ"الأخ العقيد حسام التنوخي". والأخير لم يُخفِ الرسالة، بل وضعها كصورة شخصية له على حسابه على "واتساب". ويقول زواره إنه "بَرْوَز" صورة الرسالة ورفعها في مكتبه، في غرفة عمليات قوى الأمن الداخلي. وعلى الضفة الأخرى، يتمتّع التنوخي بعلاقة وثيقة للغاية مع ممثلي تيار المستقبل في المديرية، من اللواء أشرف ريفي والعميد وسام الحسن، إلى اللواء ابراهيم بصبوص والعميد عثمان. وعندما تولى نهاد المشنوق وزارة الداخلية، صار التنوخي من الضباط المفضلين لديه. كذلك تربطه صلة وثيقة جداً بعبدالله بري، ابن الرئيس نبيه بري. ويحفظ له رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله الحاج وفيق صفا ما قام به في حرب تموز، عندما أخذ على عاتقه تسخير نفوذه في المديرية، في مجال إيواء النازحين، والمساهمة في حل عدد من المشكلات التي طرأت بين الحزب والأمن الداخلي، وبين الحزب والمستقبل، ثم في إصدار قرار فتح الطرق أمام النازحين للعودة إلى الجنوب، وتأمين حافلات لنقل جزء منهم، حتى قبل أن يوافق رئيس الحكومة فؤاد السنيورة على ذلك في المفاوضات السياسية التي كانت جارية آنذاك.

هو إذاً، المرشح "الطبيعي" و"المثالي" لشغل هذا المنصب. لكن المفاجأة أن حزب الله اختار العميد وليد جوهر الذي يشغل حالياً منصب رئيس قسم المباحث الإقليمية في الشرطة القضائية (أي أنه رئيس كل مفارز الشرطة القضائية ــــ التحري ــــ في كل المناطق). وأول من أمس، اتصل مستشار الرئيس نبيه بري أحمد بعلبكي ببصبوص، وأبلغه "القرار": نحن والحزب اخترنا العميد وليد جوهر. وعندما زار المشنوق (ونادر الحريري) بري أول من أمس، قال الوزير لرئيس حركة أمل: "أنتم تفضّلون جوهر، لكنني أفضّل حسام التنوخي". يدرك المشنوق جيداً التوزيع الطائفي ــ السياسي المتبع في دوائر الدولة كلها، لكنه قال لرئيس المجلس: لوزير الداخلية رأي في هذه المواقع. فردّ بري بأنه لا مشكلة لديه، "اتفِق مع حزب الله، وأنا لا مانع لديّ".
بمقدور الوزير، نظرياً، أن يطلب من المدير العام للأمن الداخلي أن يصدر برقية يعيّن بموجبها التنوخي بالوكالة. وبصبوص جاهز لخطوة كهذه، وخاصة أنه مستاء من الطريقة التي تبلّغ بها خيار التنظيمين السياسيين، إذ لم يبحث أحدهما معه في أمر هذا الموقع مطلقاً قبل الاتصال الذي تلقاه من بعلبكي اول من أمس (رغم أنها الطريقة ذاتها التي يتبعها تيار المستقبل ــ الذي أتى ببصبوص من أمن الدولة إلى الأمن الداخلي ــ مع المرشحين إلى المراكز المخصصة للطائفة السنية؛ والنائب وليد جنبلاط بالنسبة إلى المراكز المخصصة للضباط من الطائفة الدرزية؛ وإلى حد ما، رؤساء الأحزاب المسيحية بالنسبة إلى المراكز المخصصة للطوائف المسيحية).
لكن المفاجأة الثانية أتت من التنوخي نفسه، الذي أبلغ زميله عماد عثمان، والمدير العام للأمن الداخلي، ووزير الداخلية، أنه يرفض أن يجري تعيينه في رئاسة جهاز أمن السفارات إذا لم يكن ذلك برضى الحزب وبري، وخاصة أنه في موقعه الحالي (رئيس غرفة العمليات) شريك في القرار في المديرية، وذو نفوذ يجعله أكثر تأثيراً من أعضاء مجلس القيادة. وتمنّى على المشنوق سحب اسمه من لائحة المرشحين، علماً بأنه لم يطرح نفسه لهذا الموقع منذ بداية البحث عن خليفة لمظلوم. وفي هذا الإطار، يجري التداول في المديرية باقتراح تعيين العميد خليل الضيقة خلفاً لمظلوم، بهدف عدم إقفال الباب أمام التنوخي وجوهر و11 ضابطاً شيعياً آخرين. فلكل من جوهر والتنوخي خمس سنوات قبل إحالتهما إلى التقاعد. أما الضيقة، فلم يعد له في السلك سوى سنة ونصف سنة تقريباً. وهو أثبت جدارة إدارية في عمله الحالي كمساعد لقائد الدرك، وتربطه أيضاً، كسائر المرشحين، علاقة جيدة بحزب الله وحركة أمل.
وزير الداخلية لا يزال متريثاً، ويجري اتصالات مع المعنيين بالقضية. وهو سيكلّف الضابط الأعلى رتبة في أمن السفارات، العميد فادي سلمان، برئاسة الوحدة بالإنابة، إلى أن يتخذ قراراً نهائياً. وقالت مصادر في "الداخلية" لـ"الأخبار" إن القرار ربما سيُرحَّل إلى سلة واحدة تضمّه مع ملف تعيينات المجلس العسكري في الجيش. وحتى ذلك الحين، يبقى جوهر المرشّح الأوفر حظاً.