كان يفترض بتنظيم "القاعدة"، بناءً على مفاوضات تمت بينه وبين المجلس الأهلي الحضرمي في حزيران الفائت، أن يسلّم جميع المقار الأمنية والحكومية في المدينة إلى المجلس. في ذلك الحين، رفع وجوه "الأهلي"، وفي مقدمهم المتحدث الرسمي باسمه ربيع العوبثاني، سقف توقعاتهم، متحدثين عن جهاز شرطة جديد يشمل الأمن العام وشرطة النجدة وشرطة السير ويتألف "من ضباط قدامى معروفين بنزاهتهم". عزز هذه التوقعات نجاح "تجربة تسليم وتسلم" شهدها شهر أيار الماضي، حيث أخلت "أنصار الشريعة" ميناء المكلا ومبنى ديوان المحافظة ومنزل المحافظ المملوك للدولة ليقوم مقامها فيها المجلس الحضرمي.
مرت حوالى ثلاثة أشهر وبدأ الاتفاق بين الجانبين يسلك سبيله إلى التنفيذ بعدما اعترضته سلسلة عقبات اضطر "الأهلي" على أثرها إلى إصدار بيان شديد اللهجة طالب فيه "أنصار الشريعة" بالوفاء بوعودها. هكذا سلم التنظيم في شهر أيلول من العام 2015 إدارة أمن المكلا للمجلس الحضرمي الذي كان لا يزال يدير الشؤون الخدمية في المدينة، وأعلن "القاعدة" في بيان صادر عنه إغلاق فرع المؤسسة الاقتصادية الذي اتخذه مقراً لإدارة أمن المكلا منذ سيطرته على المدينة، داعياً المواطنين إلى التوجه إلى مديرية أمن المكلا ومراكز فروع الشرطة "التي سيفعل المجلس عملها".

لن ينسحب «القاعدة» من مدينة المكلا على الإطلاق

اليوم، يتبين أن الخطوات التي أقدم عليها "أنصار الشريعة" في ما مضى لم تكن أكثر من إجراءات ترقيعية استهدفت تهدئة الأوضاع وامتصاص الغضب ريثما تتهيأ الأرضية الملائمة لإطباق فكي الكماشة على المكلا. طيلة الأشهر السالفة، اجتهدت الجماعة التكفيرية في تمديد أذرعها وإضعاف شرايين المجلس الأهلي حتى لا تقوم له قائمة. هدف يبدو واضحاً أنه بات قاب قوسين أو أدنى في ظل ما تؤكده المعلومات الواردة من حضرموت من تضخم جسم "القاعدة" وتكاثر وظائفه على المستويات كافة.
ينقل مصدر جنوبي عن أحد "الجهاديين" العاملين تحت إمرة خالد باطرفي زعيم التنظيم في المكلا قوله إن "القاعدة" لن ينسحب من المدينة على الإطلاق وإن المجلس الأهلي مفكك ولا يحظى بقبول أهالي المدينة. ويؤكد المصدر أنه أضحى لأنصار الشريعة في الحاضرة الواقعة على بحر العرب أجهزة أمنية واستخبارية وإعلامية تامة من النواحي جميعها، مورداً في سياق حديثه عدداً من الممارسات القاعدية التي تسارعت على نحو غير مسبوق في الآونة الأخيرة.
عناصر الجماعة التكفيرية أصبحوا منتشرين في جميع شوارع المكلا وعند كل مداخلها معززين بالمدرعات والآليات العسكرية التي نهبوها سابقاً من معسكرات الجيش اليمني. هذا الانتشار يترافق مع عودة مسلسل الاستحواذ على منازل المسؤولين المحليين. مسلحو "القاعدة" استولوا خلال الأيام القليلة الماضية على منزل المحافظ المستقيل عادل باحميد وطردوا أسرته منه تحت ذريعة "عدم إعلان توبته عن الديموقراطية والعلمانية وموالاة الطواغيت". وبالذريعة نفسها، اقتحم مسلحو التنظيم منزلي المحافظ السابق خالد الديني ووكيل وزارة الإدارة المحلية عمر العكبري، إلا أنهم لم يتمكنوا من مصادرة محتويات المنزلين بفعل تصدي عناصر قبليين لهم وإجبارهم إياهم على تقديم العدائل والاحتكام للأعراف القبلية.
بالتوازي، سيطر مقاتلو "القاعدة" على شركة الجبل وشركة النخيل وشركة المفضل للأدوية والمستلزمات الطبية في المدينة وصادروا البضائع من مخازنها واستولوا على السيارات التابعة لها وجيروا لمصلحة خزانتهم كل أصولها المالية، بحجة "أن مالكها خليل غالب الجبل يدعم الحوثيين ويتعاون معهم". إلى جانب ما تقدم، عززت "أنصار الشريعة" شبكتها المافيوية التي تتولى تهريب النفط والسلاح والمخدرات إلى الصومال، ومنها إلى أماكن أخرى.
المافيا المذكورة تتخذ مسرحاً لعملياتها ميناء المكلا الذي عاد التنظيم إلى التحكم بجماركه، مخضعاً التجار لعمليات ابتزاز مهولة. مصادر من داخل حضرموت تشير إلى أن "القاعدة" الذي يحرم دفع الضرائب للدولة يفرض على السفن المحملة بالبضائع والمشتقات النفطية خوات بالملايين، كما تشير المصادر إلى أن التنظيم، على الرغم من منعه تعاطي "القات" في مديريات ساحل حضرموت عقب أيام فقط من سيطرته على المكلا، إلا أنه بات يسمح للتجار بإدخال القات إلى المحافظة مقابل ستة ملايين ريال يدفعها كل منهم إلى القاعدة يومياً. نهج استغلالي لم يتورع "القاعدة" عن إشهار أسلحته في مواجهة شركة الاتصالات الرئيسية باليمن "إم تي أن"، مجبرة إياها على دفع مبالغ مالية مقابل وجود أبراجها على قمم الجبال.
هي إمارة قاعدية تقترب من آخر مراحل قيامها بالمكلا. اقتراب يترافق مع توارد أنباء متواترة عن أن المحافظات الجنوبية حتى تلك المتجذرة في العداء للسلفية الجهادية، انطلاقاً من إرثها الاشتراكي العريق تشهد إقبال أعداد مفزعة من أبنائها على الالتحاق بالجماعات التكفيرية.
هذه الظاهرة تأتي محافظة عدن في مقدمة المناطق المبتلاة بها. هي المحافظة نفسها التي ما فتئت تشهد اضطرابات أمنية وعمليات اغتيال على نحو تصاعدي خطير، جديد فصولها تمثل في اغتيال العقيد طه الصبيحي المسؤول في إدارة أمن عدن على أيدي مسلحين صباح يوم أمس. اغتيال سبقه بحوالى أسبوع هجوم مسلح على مطار عدن وتصفية العقيد محمد حسين رئيس تحريات شرطة المنصورة، إضافة إلى قتل العميد السابق في الجيش الخضر صالح درامة أثناء وجوده أمام بوابة قاعدة التاج بالمنطقة عينها.
وسط كل ما سلف، يجد التحالف السعودي نفسه وقد بدأت تفلت من يده آخر فرص الحفاظ على الحد الأدنى من سلطة الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي ونائبه خالد بحاح. من هنا، تأتي محاولات تحالف العدوان استعادة زمام المبادرة ومنع السيل القاعدي الداعشي من أن يبلغ زباه. إلا أن تلك المحاولات تبقى محكومة بالكثير من أسباب الفشل والتي يتقدمها عاملان: تضعضع الرؤية السعودية حيال الأوضاع في الجنوب واكتفاء أصحابها بنوع من الرتق الذي تجلى حديثاً في تعيين اللواء أحمد بن بريك محافظاً لحضرموت، وثانيهما استعجال الإمارات في حسم أمني تجسدت آخر حلقاته في الاتفاق مع محافظ عدن جعفر محمد سعد وعدد من قيادات "المقاومة الشعبية" على خطة لتأمين مدينة عدن، إلا أن هذا الاستعجال لا يبدو أنه سيبلغ غاياته، أقله على المدى المنظور كون الطرف الرئيسي في العدوان غير مستعد لأكثر من تمنية "الجنوبيين" بالحلم الانفصالي.




محرّمات "قاعديّة"

وزع مسلحو أنصار الشريعة أشرطة "دي في دي" تتضمن مقاطع من عمليات التنظيم وأناشيده على أصحاب الكابلات في المكلا، مرغمين إياهم على بثها ضمن قنوات "الاشتراك". جاء ذلك في وقت عَرَّضت فيه هيئة الحسبة التابعة للقاعدة سبل تضييقها على المواطنين، إذ إنها باتت تجبر كل رجل يخرج مع شقيقته إلى السوق على إبراز هويته وهوية قريبته، وفي حال كان الثنائي زوجياً فالمفروض عليهما إبراز ورقة العقد إلى جانب الهويتين. أما المرأة بمفردها فحرام عليها البروز من مواضعها من دون محرم.
المحرمات "القاعدية" تشمل أيضاً منع تخفيف اللحى وإطلاق مكبرات الصوت في حفلات الزفاف، فضلاً عن التحدث بأمور الدين بما ينافي اعتقادات "أنصار الشريعة". قبل حوالى أسبوعين، ضبطت هيئة الحسبة الطالب في جامعة حضرموت فوزي بن حويل وعدداً من رفاقه عندما كانوا يتحدثون عن فوائد تطبيق العلمانية في اليمن، وعلى الأثر اقتيد بن حويل وزملاؤه إلى أحد مقار القاعدة، حيث لا يزال مصيرهم مجهولاً.
سبق تلك الخطوة إقدام التنظيم على جلد فتى قاصر في ساحة مسجد الشهداء بالمدينة "بجرم الزنا"، فضلاً عن جلد شابين آخرين "بتهمة سب الدين”. حكم كان قد نزل أيضاً ليلة رأس السنة بحق عشرة مواطنين بعدما أدينوا بشرب الخمر. إثرها بأيام فقط، نفذت هيئة الحسبة حكم الرجم حتى الموت على امرأة في ساحة المؤسسة الاقتصادية بتهمتي تناول المسكر والزنا.