بغداد | يسعى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى حسم موقعة الانتخابات التشريعية التي تجري اليوم، مسلّحاً بحروب وأزمات داخلية ينتظر منها أن تعبد له الطريق نحو ولاية ثالثة. وعلى عكس انتخابات 2010، فإن المالكي يخوض الانتخابات الحالية في غياب أي منافس «شيعي» قادر على مزاحمته على رئاسة الحكومة.


المالكي الساعي إلى ولاية ثالثة، التي تعتبر بالنسبة إليه مسألة «حياة أو موت» للمحافظة على «المكتسبات» التي عمل عليها خلال ولايتيه السابقتين، يسعى إلى استغلال أزمته الدائمة كرئيس للحكومة الاتحادية (المركزية) مع رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني الطامح إلى إضعاف المركز بنظر أنصار المالكي على الأقل، فضلاً عن شنّه معارك مدوية في غرب العراق ضد مسلحي داعش في الأنبار، من أجل رسم خارطة طريق تضمن له البقاء في منصبه كرئيس للحكومة المقبلة، إذ إن محاولة المالكي في الظهور بأنه الجدار الأخير أمام منع الأطماع الكردية والتوسع داخل المناطق المتنازع عليها بين العرب والأكراد، فضلاً عن وقوفه بوجه التعاقدات النفطية الكردية التي تمت «على حساب أبناء الشعب العراقي»، كل ذلك من شأنه أن يرفع من رصيده الانتخابي، كما يسوّق لذلك أنصاره.
وما التحشيد العسكري الذي قام به كلا الطرفين قبل عامين، وانتهى بلقاءين جمعا المالكي والبرزاني في بغداد وأربيل، إلا حلقة في سلسلة ذلك الصراع المحموم والهادف إلى جذب الأتباع والأنصار إلى كلا المعسكرين، بحسب مناوئيهما المتضررين من استثمار النزاع لمصلحة الطرفين.
أما النزاع المسلح المندلع منذ أربعة أشهر تقريباً في مناطق الأنبار غرب البلاد، وبالتحديد في مدينتي الرمادي والفلوجة، فإنه بدأ يرسم ملامح الرجل القوي على محيّا رئيس الحكومة في ما يبدو، وهو الأمر الذي يفتقده قطاع واسع من أبناء الشعب العراقي، منذ غياب السلطة في 2003، وانتشار الفوضى والإرهاب في بلاد الرافدين التي لم تشهد منذ ذلك الحين استقراراً يذكر. ويتركز ذلك بشكل أكبر داخل الشارع «الشيعي» الذي ترتفع حظوظ التصويت للمالكي داخله، خصوصاً في ظل تنامي «الهجمات الإرهابية» داخل المناطق التي تقطنها الطائفة الأكبر في العراق.

كردستان والأنبار
دخلتا اللعبة الانتخابية من أوسع أبوابها
مجمل القول إن أزمتي كردستان والأنبار دخلتا اللعبة الانتخابية من أوسع أبوابها، وأنعشت الخنادق الطائفية في البلاد؛ فمن جهة أظهرت المالكي صقراً من صقور «الشيعة» الذين لا يتهاونون أو يساومون على دمائهم، عبر غض النظر عن مسلحين يحملون لواء قتل أبناء هذه الطائفة، فيما هم يحتمون برموز «سنيّة» معروفة، الأمر الذي دعا المالكي إلى اعتقال النائب السنّي البارز أحمد العلواني، أحد قادة الاعتصامات التي شهدتها الأنبار قبل أكثر من عام. كذلك أظهرته صقراً عربياً لا يساوم على حقوق العرب في مناطق التماس بين العرب والأكراد، التي يتمتع فيها أنصار البرزاني بنفوذ كبير.
ومن جهة أخرى، تظهر المدافعين عن «مظلومية» السنّة والأكراد كصقور للطائفة والقومية الذين لا يركعون أمام الضغوط الحكومية والتنازل عن حقوق جماهيرهم.
ولهذا انعكاسات انتخابية كبيرة قد يجنيها المالكي على حساب مناوئيه من أتباع المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، أو التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، الذين يسعى لإظهارهم بمظهر المتقاعسين والمثبطين لعزيمة القوات المسلحة في حربها «المشرّفة ضد الإرهاب»، أو بمظهر المتخاذلين أمام نفوذ الأكراد بزعامة البرزاني الساعي إلى ليّ ذراع الحكومة الاتحادية. في السياق ذاته، يسوّق أتباع المالكي، الساعي لتجديد ثقة الشعب به، رئيس الحكومة أيضاً على أنه الرجل الأكثر قبولاً بين المرشحين من قبل واشنطن وطهران (الطرفان اللاعبان في صياغة العقد الحكومي)، خصوصاً في ظل المناخ الجديد الذي يحكم العلاقات الأميركية ــ الإيرانية، لا سيما في ظل استمرار الأزمة السورية المتفاقمة.
وفي هذا الإطار، يؤكد عضو ائتلاف دولة القانون (المالكي)، النائب علي الشلاه هذا المعنى في تصريحات صحافية سابقة، بأن «رئيس الوزراء امتلك خبرة كبيرة خلال السنوات الماضية في التعامل السياسي، ولديه علاقات وطيدة من الناحيتين الدولية والإقليمية، وأن الذين يختلفون معه في الإقليم، كونهم لا يريدون عراقاً قوياً، وهذا ما يسعى اليه المالكي».