القاهرة | خلال ثلاث سنوات تضمّنت ثورة شعبية بموجاتها المختلفة هي «ثورة 25 يناير» 2011، حصل المصريون على حق الانتخاب ومارسوا هذا الاستحقاق أكثر من مرة (7 مرات في ثلاث سنوات) سواء على مستوى استفتاءات الدستور وتعديلاته أو انتخابات البرلمان في مجلسي الشعب والشورى. وفي كل مرّة يمارس فيها الشعب هذا الاستحقاق، تختلف التوجّهات وتتضارب التصريحات، ويتناول كل منبر إعلامي الأحداث بطريقته وبناء على حساباته.


على مدار الأحداث السياسية التي شهدها الوطن طوال تاريخه، تحاول كل فئة أن تحتكر الرؤية الواحدة والتقدير الصحيح. يقتنع المثقف بامتلاكه الحق المطلق في تقدير الموقف وتحليله، ويقتنع السياسي بقدرته على ترجمة طلاسم الواقع إلى مصطلحات، وترجمة طموحات الشعب إلى خطط مدروسة. وتقتنع أجهزة الأمن بامتلاكها حق التصرف الأوحد تجاه ما يلمّ بالبلاد من أحداث بناء على ما تراه مصلحة الوطن. ربما ينسى أو يتناسى الجميع أنّ هناك شعباً لا يتذكرونه إلا حين يحتشد أمام صناديق الاقتراع، ويتجلى للجميع أن ما سيحسم الأمور هو ذلك الشعب الذي فصلت كل فئة نفسها عنه، وجعلت نفسها مرشداً ووصيّاً عليه.
عقب قيام «ثورة 25 يناير»، اختلط الأمر على المثقف وأصبح سياسياً. واختلط الأمر على رجل الأمن وأصبح سياسياً. وكذلك على السياسي الذي أصبح يتحدث في الأمن كمختص، وفي الثقافة كمخضرم وفي الفن كعمر الشريف.


هاجمت
المذيعة ياسمين سعيد
الكاتب محمد هاشم

وعقب قيام الثورة أيضاً، ظهر نوعٌ غريبٌ من الإعلام يُسمّى باللغة الدارجة «إعلام المصاطب» وهو أقرب للخطابة من الإعلام. الظاهرة تلك تتضمّن أن يبدأ أحد البرامج بظهور وجه الإعلامي في منتصف الشاشة ليوجّه سلامه للمشاهدين ويقرأ الأخبار يليها تحليله الخاص ورؤيته الذاتية (التي لا تهم كثيرين بالمناسبة) إلى تلك الأخبار. ثم يبدأ في خلق حوار متخيّل بينه وبين المشاهدين، لينقل عبره رؤيته ورأيه وتحليله لمختلف الأمور على الساحة السياسية. ونحن كمشاهدين لا ذنب لنا ولا نريد أن نرى الأمور من خلاله. وظيفته التي وهبه الله إياها هي أن يدير الحوار وينقل الأخبار، ويراعي المسافة بين الحق والباطل ولا يجعلهما يختلطان على المشاهد. وربما من أبرز الأمثلة على هذا النموذج الإعلامي الملقّب بـ«كوميديان التوك شو» توفيق عكاشة.
على الجانب الآخر، قد نجد مَن يمنحنا من فرط كرمه بعض المساحة لنتحدث مع الطرف الآخر. لكن هذا النموذج كثيراً ما يفقد قدرته على تمالك نفسه، ونجده يتأبّط أحد الطرفين، ويبدأ في مهاجمة الطرف الآخر لصالح انحيازه الشخصي. تجلّى ذلك أخيراً في لقاء الإعلامية ياسمين سعيد مع الناشر المصري محمد هاشم مدير «دار ميريت» وعضو مؤسس في حركة «كفاية» وحركة «أدباء وفنّانون من أجل التغيير»، والكاتبة فريدة الشوباشي ضمن برنامج « مصر الآن» على قناة «أم. بي. سي. مصر».
كان اللقاء في جوهره محاولة لإدارة نقاش بين نموذجين من المثقفين، أحدهما مؤيد لحمدين صباحي هو هاشم، والأخرى مؤيّدة للسيسي هي فريدة الشوباشي. وبمجرد احتدام النقاش وبدء هاشم في التحدث عن تأييد عدد من رموز نظام مبارك للمشير بما يثير القلق من إعادة إنتاج النظام القديم، ثارت ثورة الشوباشي وبدأت في وصفه بـ«الإخوان» وبأنه يستخدم الخطاب الأميركي من دون أن ترد بكلمة واحدة على حُجّته والمعلومات التي ذكرها. كل شيء طبيعي حتى الآن. ومن الطبيعي أن يختلف الضيفان على مرشح كل منهما، ويكون لكل منهما رده، كما لا نستطيع أن نلوم فريدة الشوباشي كونها ترى أنّ محمد هاشم المتهم بترويج الأفكار العلمانية وتصفه الجماعات المتشددة بـ«الناشر الملحد» و«راعي الكتابة الفاسقة» بأنه إخوانيّ. كما كان من حقها أن ترى في مرشحها شَبَه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رغم أنها لم تذكر لنا أوجه الشبه تلك. أما الغريب في الأمر، فهو أن تتدخّل المذيعة في النقاش لتهاجم هاشم بصوت مرتفع، قائلة «مش ممكن، مش ممكن». تلك الكلمة التي لا يعلم أحدنا حتى الآن كيف يمكنها أن تقنع مخطئاً بخطئه أو تردع صاحب رأي عن رأيه، ما اضطر الرجل لمغادرة استوديو البرنامج بهدوء من دون تردد، تاركاً الضيفة تصيح «إخوان.. أمريكان» والمذيعة تتمتم «مش ممكن، مش ممكن»، ليسدل الستار على ذلك المشهد العجيب.
وبالحديث السابق عن دور المثقف والإعلامي والمبدع في التأثير في الرأي العام قبل خطوة التصويت واختيار المواطن لمرشّحه، نكون قد رأينا ما يراه المواطن المصري الحالم الثائر الذي أصبح يطيح بالحكّام كما يطيح بأظافره حين تتسخ. وبناء على ما يراه المواطن من هذه النماذج على الشاشات وصفحات الصحف والكتب، أصبح المشهد كاملاً أمامنا. المشهد الذي لن ينقص من معاناة المواطن، ولن يساعده على حسم اختياره، وتصبح الحقيقة الواحدة ألّا نخبة إلا الشعب ولا مهنيّ إلا المواطن.