على يوتيوب فيديو بعنوان «رولا خرسا: صباحي يعد بثلاث وزارات للسلفيين، وطلب دعم الإخوان من العوا». قناة «صدى البلد» التي تعمل فيها رولا خرسا، هي التي عرضت الفيديو على اليوتيوب بهذا الاسم، واختارت مقطعاً من 52 ثانية، حيث قالت المذيعة بالحرف الواحد: «الخبر الخطير أنّه في يوم 4 أيار (مايو)، جلس حمدين صباحي مع إحدى القيادات السلفية ووعد بثلاث وزارات للسلفيين. والخبر الثاني أنه كانت هناك مكالمة هاتفية بين صباحي ومحمد سليم العوا طلب فيها حمدين إعطاء محمد مرسي الأوامر لشباب الإخوان لإعطاء أصواتهم لحمدين!». لم تنس المذيعة توجيه رسالة لحملة صباحي بأنّ هناك فرصة لتصحيح أي خطأ أو افتراء!

كنت من «المحظوظين» الذين شاهدوا حلقة برنامج «البلد اليوم» رولا خرسا كاملاً في هذا اليوم، وشاهدت بأم عيني، كيف يصنع هؤلاء أخبارهم، ويروّجون لأكاذيبهم، ويخدعون بها معدومي الوعي على شاشات التلفزيون، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

بدأت صناعة هذا الخبر في الأعلى كالتالي: اتصال من شخص يدعى محمد قال إنّه من محافظة دمياط (190 كم شمال شرقي القاهرة)، قال لرولا خرسا إنّه يملك معلومات مفادها أنّ صباحي اجتمع بالسلفيين بداية هذا الشهر، ووعدهم بثلاث وزارات في حال وصوله إلى الرئاسة. كما قال إنّه يملك معلومات حول اتصال بين حمدين صباحي والمحامي محمد سليم العوا، إذ طلب حمدين إصدار أمر من محمد مرسي لشباب الإخوان بالتصويت له في انتخابات الرئاسة! لم تبدِ الإعلامية اعتراضاً على ما قيل من هراء من شخص لا تعرف عنه سوى اسمه الأول. اكتفت بتأكيد أنّه مسؤول عما يقول، وطلبت من حملة صباحي الرد على هذا العبث! وأنهت الإعلامية المكالمة، ناقلةً الخبر كأنّها انفردت به، ثم تلقفه الجميع موقَّعاً باسمها وباسم القناة التي تعمل فيها، وصار الهراء بضاعة رائجة تحتمل النقاش! تلك هي الكارثة التي يعانيها الشعب المصري: أن يصبح الهراء مجالاً للجدال، وأن تصبح الأكاذيب منطلقاً للمناقشة، ومساراً للتفاعل مع الآخر.
الإعلام أولاً صنع هذه الكارثة وأسّس لها وأرسى قوانينها، وتبعته مواقع التواصل الاجتماعي. لا تخلق هذه المواقع دردشاتها وكلماتها من العدم، ولا تعيش في معزل عن الواقع. هراء الإعلام يصل إلى القطاع الأعرض من الجمهور، بينما تظل مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مستقبِل ــ ضمن الجمهور نفسه ــ تنشر وتعترض وتفنّد، وترحب أحياناً بما يقوله الإعلاميون. لكنّ مذيعي التلفزيون الذين يستقون أخبارهم وشائعاتهم من مواقع التواصل الاجتماعي، لا يتوانون عن سبها وتقريعها وكيل الاتهامات لروّادها ومستخدميها بدءاً من «إنّهم عيال مالهمش شغلة ولا مشغلة غير الكلام»، كأن الإعلام التلفزيوني يقدم بضاعة مختلفة غير الكلام، وانتهاءً بكون مستخدمي هذه المواقع «سبابين». كأن خوض الإعلاميين في أعراض الناس والتلصص وانتهاك الخصوصية، قيمة عظيمة يصدرها الإعلام التلفزيوني!


هاجمت الفضائيات الخاصة صباحي بسبب طلبه مناظرة السيسي!

أول مَن سرّب محادثات شخصية وخاصة على قناة فضائية، واعتبرها سبقاً إعلامياً، كان صحافياً أصبح مذيعاً، بفضل قدراته الخاصة في هتك الأعراض والتلسين على البشر بدعوى فضحهم من أجل مصر والمؤامرة التي تحاك ضدها من أطراف كثيرة. ثم تناولت مواقع التواصل الاجتماعي مخلفات هاتك الأعراض هذا، وأصبحت متداولة بين أيدي مستخدمي الشبكة العنكبوتية. وبعد كل هذا يقولون في قنواتهم وعلى منابرهم أنّ مواقع التواصل الاجتماعي تنشر الشائعات وتهدم القيم وتهيج الجماهير، وتضج بالبذاءة والسباب!
حسناً، الإعلاميون صادقون في بغضهم لمواقع التواصل وروادها، لكن لنطبّق كل ما تقدم على انتخابات الرئاسة. ما رد الفعل الذي ينتظرونه من رواد هذه المواقع، عندما يقول «الإعلامي» أحمد موسى إنّ مؤسسات الدولة تنحاز للمرشح حمدين صباحي، وإنّ المرشح عبد الفتاح السيسي مظلوم ولا يجد مؤسسة تسانده!
ما الذي ينتظره إعلامي أتاحت له قناته مساحة على الهواء ليخاطب الناس، ويستضيف شخصاً ادعى أنه خبير أمني (سامح الطرابلسي) وقال إنّ والد صباحي رفع ضده دعوى نفقة عام 2002، بينما توفي والد صباحي عام 1991؟
كشفت مواقع التواصل الاجتماعي حقيقة الشائعة ونقَلها عن هذه المواقع الإعلامي محمد الغيطي على قناة «التحرير»، ولم يعتذر عنها مقدم البرنامج الذي ذُكرت فيه، كأنّ الكذب والتلفيق شعاراه. ولأنه صفيق فهو لا يخجل من سبّ مَن يقولون إنه مجرد صحافي حوادث تافه، ومجند من قبل أمن الدولة. أحمد موسى ظهر في حلقات برنامجه «على مسؤوليتي» على قناة «صدى البلد»، وسبّ وهاجم ما يتردد عنه على مواقع التواصل كونه عميلاً ومجنداً في الإعلام منذ نعومة أظافره في أمن الدولة. بعد وصلة سباب رواد تويتر وفايسبوك، قال: «فخر لي أن أعمل مع شرطة بلدي وأمن بلدي. أحسن ما أقبض من الأمريكان!». هكذا خلط «الإعلامي» الأوراق، وقرّر أن يشوّه ويعبث بوعي من يشاهده. قال إنّ العمل مع أمن بلده فخر له!
بالطبع، هذا فخر لو كنتَ شرطياً أصلاً، لكنه يصبح عاراً إن كنت صحافياً، وتلك هي أصول المهنة التي تعلمها جيداً. حتى في المناطق الشعبية، يرفض الشرفاء أن يكونوا «مرشدين» للمباحث على أهالي الحي الذي يسكنون فيه يا سيادة الإعلامي. وقال أحمد موسى أيضاً إنّ العمل مع الشرطة أفضل من «القبض من الأمريكان»! هل قال أحد إنّ القبض من «الأمريكان» أمر جيد؟ هل ثبتت تهمة التمويل غير المشروع على أحد النشطاء؟
هذه أسئلة تطرحها مواقع التواصل على إعلامي كهذا، ولا يطرحها عليه المشاهدون الذين يتواصلون معه عبر الهاتف. ولذلك يخشى أحمد موسى وأمثاله، من شباب يعبّرون عن رأيهم على مواقع التواصل بلا خجل، ولا تقديس للهالة الإعلامية الكاذبة التي تضفيها الشاشة على من يطلقون على أنفسهم لقب إعلاميين. ما هو عمل حمدين صباحي؟ وكيف يتجرأ في خطابه مع السيسي وعنه، ليطلب مناظرته؟ هذا سؤال طرحه أكثرية الإعلاميين في الفضائيات الخاصة. تهكمت مذيعة «القاهرة والناس» نائلة عمارة على حمدين صباحي، وعلى مطالبته هو وأنصاره بالمناظرة، وسألت: «ماذا يعمل حمدين صباحي كي يطلب مناظرة السيسي؟». وتساءلت لميس الحديدي (سي. بي. سي) عن جدوى المناظرة من أساسها، وقالت أماني الخياط (أون. تي. في) إنّ المناظرة مجرد إهدار للوقت لأنّ مصر تواجه إرهاباً! كل ذلك وأكثر جاء رداً على مجرد «هاشتاغ» بعنوان «المناظرة الآن»!
بعد كل هذا، يخرج هؤلاء الإعلاميون ليؤكدوا لجمهورهم أنّ مواقع التواصل الاجتماعي التي يردون وينفعلون ويشتبكون مع ما فيها وما عليها، غير مهمة وليست ذات قيمة!
يقول الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي إننا نعيش في عالم واسع، نحن جزء منه ويجب التشابك معه، فيتمّ اتهامهم بالعمالة. ويقولون إنّ مصر مهمة، ولذلك لا يجوز أن يتناول إعلامها القضايا الخارجية بمنطق الاستهتار و«أنا جدع»، فيقول الإعلاميون على الشاشات: «طز في العالم ومصر أهم»!
ويا ليت هؤلاء الإعلاميين وضيوفهم يثبتون على مواقفهم. في حلقة من برنامج الصحافي إبراهيم حجازي على قناة «النهار»، استضاف فيها الإعلامية والسياسية إيمان جمعة أول من أمس، قالت نصاً: «أنا لا ألتفت إلى الخارج، لكن انزلوا يا مصريين لصناديق الانتخابات، عشان الغرب يشوفكم». لماذا ترغبين في رأي الغرب، إذا كان لا يعنيك؟ ولماذا تطالبين الناس بالنزول لصناديق الاقتراع ليرى الغرب هذا الإنجاز؟ هكذا يشوهون وعي المشاهد. يقولون الشيء ونقيضه في الجملة الواحدة!
هذه الملاحظات، وهذه الأسئلة لا يسألها من يشاهد هذا الهراء على التلفزيون، أو أنه يلاحظها، ويسألها ولا تصل إلى هؤلاء الإعلاميين. لكن رواد مواقع التواصل يسألون ويسخرون ويسبون من يشوّهون وعي الناس، وتصل الرسالة إليهم. ولذلك يقومون يومياً بتسفيه رأي من اكتشف زيفهم وتضليلهم وجهلهم.
على شاشات التلفزيون، إعلاميون يحصلون على الملايين مقابل ظهورهم، ويقتات أكثرهم على السلطة ــ أي سلطة ـ ويسمحون لأنفسهم بتشويه وعي شعب كامل، معتقدين أنّهم بلا رقيب بعدما فقدوا ضمائرهم. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ينقل الناس ــ الذين هم جزء مهمّ من جمهور الفضائيات والشارع المصري ــ الأخبار ويكتبون أفكارهم، ويعربون عن أزماتهم، ويراقبون كل الإعلاميين بلا مقابل.