في عتمة الشتاء البقاعي البارد، يشق أحمد، النازح السوري، طريقه على عجل سيراً على الأقدام من مدرسة أبنائه الأربعة في بلدة شمسطار باتجاه خيمته في سهل بلدة طاريا. "الدوام ينتهي عند السادسة والنصف مساء، وبدنا نوصل قبل ما تشتي". يقول الأب عبارته وهو يحمل طفلته ابنة الأعوام الخمسة، متأبطاً كيساً من النايلون وخلفه أبناؤه الثلاثة. بعد أكثر من اربعة كيلومترات من السير على الأقدام تنتهي الدرب المعبّدة، لتفصل بين العائلة النازحة وخيمتهم، طريقاً ترابية موحلة بمسافة تتجاوز 300 متراً، الأمر الذي دفع الأب لمساعدة أبنائه في خلع أحذيتهم المخصّصة للمدرسة، وانتعال أخرى بلاستيكية (جزمة)، كان قد أحضرها لهم بكيس النايلون. قبل ان يغوص أفراد العائلة في الظلام باتجاه خيمتهم، يؤكد الوالد وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه أن باص نقل أبنائه المخصص لنقل النازحين إلى مدارسهم المسائية "توقف منذ أيام عن نقلهم بسبب عدم دفع بدلات النقل لهم من قبل الجمعيات، وما فيني إترك ولادي الصغار يغادروا بمفردهم المدرسة بالليل".
انخفض عدد الطلاب في بعض المدارس لعدم توفّر وسائل نقل

يستطيع بعض النازحين السوريين ايصال أبنائهم إلى مدارسهم سيراً على الأقدام، الا ان كثيرين ليس بامكانهم ذلك، نظراً للمسافة الكبيرة التي تفصل بين المدرسة وسكنهم، هذا هو حال عبير، النازحة السورية التي تقطن وعائلتها في بلدة السعيدة، فهي امتنعت عن إرسال أبنائها إلى المدرسة التي تبعد اكثر من ستة كيلومترات، من بلدة السعيدة الى متوسطة كفردان، تقول إن "الدوام ينتهي عند الساعة السابعة ليلاً، يعني آخر الليل، ولادي صغار وإيام فيها شتي وثلج، وما إلي حدا حتى أطلب نقلهم من وإلى المدرسة".
يعبّر النازحون السوريون في البقاع عن قلقهم من ضياع العام الدراسي بسبب مشكلة النقل. اذ لم تتكفل اي جهة مانحة تغطية بدلات نقل أبنائهم من وإلى مدارسهم، في الوقت الذي بدأ أصحاب الفانات ينسحبون الواحد تلو الآخر بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء العام الدراسي وعدم حصولهم على تعهد من وزارة التربية أو الجهات المانحة بدفع بدلات نقل الطلاب.
مديرو غالبية المتوسطات الرسمية البقاعية أكدوا وجود المشكلة، واشاروا الى انخفاض عدد الطلاب في بعض المدارس بسبب عدم توفر وسائل نقل لهم. مدير احدى المتوسطات في البقاع الشمالي اوضح لـ"الأخبار" ان الجهات المانحة المحلية والدولية تكفلت في العام الدراسي السابق بدفع مبلغ 900 الف ليرة عن كل تلميذ نازح سوري لوزارة التربية اللبنانية، على ان يخصص من هذا المبلغ 240 الف ليرة لصندوق كل مدرسة، في حين ان نفقات نقل كل تلميذ تبنّتها جمعية "كاريتاس" تدفعها لاصحاب فانات نقل التلامذة، وقال ان الامور سارت في هذا العام كما العام السابق، ما عدا النقل، اذ لم تبد كاريتاس او اليونيسف "استعدادهما لتحمل هذا النفقات".
جولة بعض مديري المدارس على مكاتب الجهات المانحة "فشلت" ولم يحصلوا على "الضوء الأخضر" بتغطية نفقات النقل، "ولا حتى تدخل من وزارة التربية لمعالجة المشكلة والحصول على وعود بامكانية دفعها وتبنّيها ولو في وقت لاحق"، يشرح مدير المتوسطة.
لا يخفي مدير متوسطة في غرب بعلبك أن وزارة التربية أضافت العام الحالي ما يقارب 55 مدرسة لتعليم النازحين السوريين، على المدارس الـ15 التي كانت مخصصة لتعليم النازحين في البقاع، بهدف تذليل عقبة النقل وتكاليفه، مشدداً أن المعالجة لا تكمن في زيادة عدد المدارس، بالنظر إلى اتساع المساحة التي ينتشر عليها النازحون، والمسافات التي تفصل بينهم وبين المدارس المعتمدة، ناهيك عن الدوام المسائي والتوقيت الشتوي والصقيع البقاعي، "وهو ما يفرض ضرورة توفر وسائل نقل للتلامذة السوريين". وكشف مدير إحدى المتوسطات الرسمية لـ"الأخبار" أن ثمة أحاديث تتردد عن تعهّد جمعيات بتغطية نفقات نقل طلاباً محددين، أو مدرسة دون سواها، الأمر الذي يهدد العام الدراسي بين مدرسة وأخرى "بالنظر للتمييز الذي يمارس"، بحسب قوله.
عدد من النازحين السوريين ناشدوا الجهات المانحة المحلية والدولية الإسراع في تبنّي نفقات النقل قبل أن يتوقف أصحاب الفانات عن نقل أبنائهم نهاية شهر كانون الثاني الحالي. أصحاب الفانات أكدوا لـ"الأخبار" أن عملهم الحالي هو بمثابة "تطوع"، لكن ذلك لن يتعدى الشهر الجاري، "شغلي هو مصدر رزقي انا وعيلتي"، يقول أحد السائقين.