لم تشفع سنوات الغزو الأميركي التسع والحروب المذهبية والتفجيرات اليومية للعراق في تجنيبه نار «الربيع العربي». الترابط بين بلاد الرافدين وسوريا كان أقوى من كل الحسابات الأخرى. ومثلما محت الحرب السورية الحدود بين «بلاد الشام» مبينةً الوحدة الجغرافية بين سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، كذلك لم يشذ العراق عن القاعدة التي تقول: ما يجري في الشام يمتد إلى الجوار السوري كله.


التنظيم المتشدد الذي كان يدعى سابقاً «الدولة الإسلامية في العراق» برز بـ«حلته الجديدة» قبل سنتين، حين بدأت أعداد غير محددة لغاية الآن تنشط بين شمال شرق سوريا ومحافظة الأنبار غرب العراق.
بدأت الحكاية عندما شن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» هجوماً، في تموز الماضي، على «سجن بغداد المركزي»، أبو غريب سابقاً، محرراً 500 مقاتل، بينهم قياديون في التنظيم. منذ ذلك الوقت، تمحور نشاط «داعش» على التفجيرات الانتحارية في أنحاء العراق وبشكلٍ خاص في بغداد.
في 30 كانون الأول الماضي، كانت نقطة التحول الأولى في وجود التنظيم في بلاد الرافدين. حينها، علت الدعوات في الأنبار (شمال شرق) إلى «الجهاد ضد القوات الغازية».
هذه الصيحات جاءت على إثر مواجهات دامية بين القوات الأمنية العراقية و«متعاطفين» مع «القاعدة» اعتصموا في الأنبار، بعد فضّ مخيمات الاعتصام. الاشتباكات أدت آنذاك إلى عشرات القتلى والجرحى. حينها علم الجميع أن العمليات العسكرية ستطول، وأن الوجود الكبير للقاعدة والتنظيمات التكفيرية في المنطقة سيصعب القضاء عليها. وهذا ما حدث بالفعل، إذ لم تتوقف الحملة العسكرية التي شنتها حكومة نوري المالكي ضد «داعش» منذ كانون الثاني الماضي.
تقوم استراتيجية التنظيم في العراق على الهجوم المباغت وعلى نشر الرعب في كل مكان ينوون السيطرة عليه. «صيت» التنظيم كافٍ لبث الهلع في النفوس، حيث لجأ سكان الفلوجة إثر سيطرة داعش عليها إلى كربلاء وإلى نينوى.
نجح «داعش» في البروباغندا القائمة على الترويع، إذ كما في شمال وشرق سوريا، انتشرت مقاطع تظهر الممارسات الوحشية التي يرتكبها التنظيم، حيث أظهرت فيديوات مقاتلين يجبرون عائلات جنود عراقيين على حفر قبورهم بأيديهم قبل إطلاق الرصاص عليهم.
بعد نحو سبعة أشهر من المعارك المحصورة في مدينتي الفلوجة والرمادي في الأنبار بين القوات الأمنية و«الصحوات» من جهة وداعش من جهةٍ أخرى، تمدد التنظيم التكفيري شمالاً، في الأيام الخمسة الماضية، في هجمات متتالية ويومية، حتى تمكن من إسقاط محافظة نينوى بعد سيطرته على مبنى المحافظة في الموصل (350 كلم شمالي بغداد).
الأربعاء الفائت، حاول «داعش» السيطرة على مدينة سامراء في محافظة صلاح الدين (شمالي بغداد) في محاولة لتكرار السيناريو الدامي الذي جرى في 2006 حين فجر «القاعدة» مرقد الإمامين العسكريين. غير أن الجيش العراقي استطاع التصدي له بعد سقوط العشرات من الجنود العراقيين خلال عملية اقتحام نفذها أكثر من 200 مسلح، ما جنّب البلاد انفجار حرب مذهبية لم يشفَ العراق منها بعد. بعد يومين، تمكن التنظيم من السيطرة على جامعة الأنبار في الرمادي (غرب).
بعد إخراجهم من سامراء، تدفق عشرات المسلحين من «داعش» إلى مدينة الموصل ودخلوا عدة أحياء مثل التحرير والزهراء وغيرها، حيث وقعت معارك مع القوات الأمنية، قبل سيطرتهم على الموصل بشكل كامل.