تقع قضية تحرير الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية، على رأس سلّم القضايا المتفرعة عن خيار مقاومة الاحتلال، بل تحولت إلى موضوع قائم بذاته، رغم أنه جزء من سياق المواجهة الدائرة في فلسطين. مع أن تحرير الأسرى مطلوب في كل مراحل المواجهة، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن تتسم مساعي تحريرهم بأبعاد إضافية؛ منها ما يتصل بالسياسة الإسرائيلية في مواجهة الفلسطينيين، وأخرى بالخيارات الداخلية في المواجهة، فضلاً عمّا قد يترتب عليها من تداعيات أخرى.

في هذا الإطار، هناك عوامل تكشف عن تجاوز السلوك الإسرائيلي الأخير حدود رد الفعل، ومنها وجود أعداد كبيرة للأسرى الفلسطينيين، وجزء كبير منهم لم يشارك في عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين. ورغم ذلك، استمر اعتقالهم لمدد طويلة جداً. هذا يعني أن ما تفعله تل أبيب جزء من سياسة التنكيل التي تتبعها في مواجهة الشعب الفلسطيني. ومن أبرز تجليات هذا الطابع الاعتقالات الإدارية التي هي في جوهرها تعسفية وتحمل توصيفات قانونية سنّها الاحتلال لتبرير أوامر ضباطه.

أيضاً يحضر هنا استمرار احتجاز الفلسطينيين منذ ما بعد اتفاقات أوسلو وما تلاها، وبمن فيهم المحسوبون على خيار السلطة.
وكما لكل مفردة من مفردات سياسة التنكيل الإسرائيلية ردها التناسبي المفترض في قاموس المقاومة، إن توافرت مقوماته، يأتي الرد على هذه السياسة بما يتناسب مع طبيعة الاعتداء، وذلك بأسر الجنود والمستوطنين. كل ما سبق يوجب معالجة جدية لقضية الأسرى، لكن تعدد الخيارات السياسية والاستراتيجية في الشارع الفلسطيني ينعكس دوماً بصورة الاختلاف في الطريقة الواجب اتباعها لتحريرهم، بل على مدى موقع القضية في سلّم الأولويات.
لجهة الموقف من اعتماد خيار المقاومة في تحرير الأسرى بعيداً عما يختزنه الشارع وبعض قياداته التي تتبنى خيار التسوية، كالمشاعر الإيجابية إزاء أي سبيل يؤدي إلى التحرير، فإن العبرة تكمن في الموقف السياسي المعلن والأداء العملاني. ضرورة هذا التوضيح تنبع من حقيقة أن من أعلن تخليه عن خيار المقاومة وما يترتب عليه، ثم تبنى نهج التسوية خياراً وحيداً، من الطبيعي أن ينسحب موقفه هذا على أي عملية أسر تبادر إليها فصائل المقاومة. مع ذلك، ينبغي أن يكون هناك كثيرون في أجهزة السلطة وخارجها من أنصار التسوية يتمنون نجاح تحرير الأسرى والمعتقلين عبر عملية أسر وتبادل، وخاصة بعد التمادي الإسرائيلي.


هذه العملية اختبار
قاسٍ لحكومة نتنياهو ورام الله على حد سواء

أما لجهة الأولويات، فبرغم الإقرار بحقيقة أن تحرير الأسرى مطلب كل شرائح الشعب الفلسطيني وقياداته على تنوع خياراتهم الاستراتيجية، فإننا لا نظلم أحداً عندما نقول إن موقعها في سلم الأولويات مختلف بين الاتجاهات المتنوعة. والدليل على ذلك أنه تم التوقيع على اتفاق أوسلو، رغم رفض إسرائيل إطلاق سراح الأسرى.
في كل الأحوال، المؤكد أن عملية أسر بطولية تشكل تحديّاً مفصليّاً للجهات المسؤولة التي قد يكون لها دور كبير، وخاصة أن قضية الأسرى تحظى بإجماع فلسطيني وتحاكي وجدان الشعب ومشاعره. ومن أبرز ما ميز العملية الأخيرة أنها محاولة لتحرير الأسرى من دون أثمان سياسية أو أمنية تقدم للاحتلال، بل بما يؤدي إلى تعزيز الخيار الناجع في مواجهة الاحتلال.
في السياق نفسه، ما يضفي على عملية الأسر قيمة إضافية نوعية أنها تأتي بعد إخفاق جولات التسوية سابقاً ولاحقاً، وآخرها التفاوض الذي استمر تسعة أشهر في القضايا المتفرعة عن السقف السياسي الأدنى الذي تتبناه السلطة. تجدر الإشارة إلى ضرورة الانتباه إلى حقيقة أن تحرير عشرات من معتقلي ما قبل «أوسلو» كان ينبغي أن يجري بمعايير خيار التسوية منذ أكثر من 20 عاماً على الأقل، لكن ينبغي أيضاً توضيح حقيقة مقابلة هي أن الاحتلال وافق على تحريرهم تجنباً لاضطراره إلى قبول تجميد الاستيطان ضمن شروط المفاوضات، فعمل على استغلال هذه الموافقة في سياق إمرار مشاريع إضافية في الضفة المحتلة.
بالتزامن، تأتي عملية أسر ثلاثة مستوطنين متوازية مع تجاهل إسرائيلي سافر لإضراب عشرات الأسرى الإداريين غير المحكومين ومعاناة آخرين في المستشفيات. وذلك في ظل شرعنة الحكومة الإسرائيلية تغذيتهم بالقوة، مع الإشارة إلى أن من بينهم كثيرين ممن لم يتهموا بالمشاركة في عمليات عسكرية ضد الجنود والمستوطنين. من جهة أخرى، تأتي العملية في سياق نوعي بامتياز، فقد نجحت فصائل المقاومة في تنفيذها داخل الأراضي المحتلة، وهذا له أبعاده وتداعياته على المستوى الاستراتيجي الأمني، وتحديداً في ما يتعلق بعنصري الردع والإنذار، إضافة إلى أنها تجسيد لضرورة استمرار المقاومة الفعالة تحديداً في الضفة.
في المقابل، يتضح أن الأولوية الإسرائيلية في هذه المرحلة مسخّرة لكل إجراء يساهم في الكشف عن مكان المستوطنين الثلاثة، وتحريرهم من دون أي ثمن يجبر الاحتلال على دفعه، لكن الاستراتيجية المتبعة تتجاوز الخطوات الإسرائيلية السياسية والعملانية إلى سياق توظيفي يتصل بأولويات السياسة الحالية للحكومة الإسرائيلية. على هذه الخلفية يأتي تحميل رئيسها، بنيامين نتنياهو، السلطة، المسؤولية عما حدث وربطه بالمصالحة الفلسطينية. كذلك أوحى نتنياهو أن المصالحة وفرت للمقاومة هامشاً واسعاً من الحركة والمبادرة.
لا يخفى أن هذا الاتهام يهدف إلى تعزيز السياسة الدعائية الإسرائيلية بعد إخفاق المفاوضات، وتقول إن رئيس السلطة محمود عباس لم يعد شريكاً قادراً على اتخاذ قرارات تاريخية تسمح بالتوصل إلى اتفاق نهائي، وفي الجانب الآخر التصويب على المصالحة بهدف التعبيد لخطوات تنطلق من التسليم بانتهاء خيار المفاوضات. وضمن السياق نفسه، أتت حملات الاعتقال الواسعة التي طالت قيادات حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي».
على كل الأحوال، ففي الوقت الذي ينبغي فيه استحضار الصعوبات الميدانية والمخاطر الأمنية التي تظلل أي عملية أسر في الضفة تحديداً، وذلك لأسباب منها ما يتصل بأداء السلطة، وأخرى بهامش الحركة الذي يملكه جيش الاحتلال، من الصعب حتى الآن الجزم بما ستؤول إليه هذه الحادثة. رغم ذلك، تشكل هذه العملية اختباراً قاسياً لقيادة نتنياهو والسلطة على حد سواء، لأنها جاءت بعد إخفاق المفاوضات واعتماد سياسة تصعيد تجاه الأسرى الفلسطينيين. ومن هذه السياسة التجاهل التام لإضرابهم، والدفع إلى سن قانون يجبرهم على تناول الطعام، إضافة إلى العمل على سن قانون يقطع الطريق على أي تحرير لأسرى ممن شاركوا في عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين، حتى لو كان ضمن عملية تبادل، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن مصير هذا القانون.
كما يبقى أن نراقب ردود الفعل الإسرائيلية التي قد تتعمد حكومة نتنياهو تحويلها إلى سياسة متدحرجة في اتجاهات تخدم أهدافاً سياسية مرسومة ومحددة مسبقاً، وتتصل بالواقع السياسي والأمني في الضفة المحتلة.
(الأخبار)