يصعب العثور على علاقات سرية مستمرة منذ أكثر من نصف قرن ويجهد طرفاها في التنكر لها، رغم أنها باتت معروفة للقاصي والداني مثلما هي حال العلاقات بين إسرائيل وكردستان. ما يزيد على خمسة عقود من «الغرام الممنوع» بين عشيقين جمعتهما مصالح مشتركة بقيت تدور في حدود التعاون العسكري والأمني، ولاحقاً الاقتصادي، في ظل طموح دائم لتحويلها إلى شراكة سياسية معلنة حال دونها عدم تهيّؤ الظروف الإقليمية المناسبة.

ورغم عدم وجود إطار رسمي علني للعلاقات بين إقليم كردستان وإسرائيل، لا يحتاج إثبات هذه العلاقات إلى أدلة خاصة، علماً بأن الشهادات والوثائق والمؤلفات حولها بلغت حد التواتر وتضمنت حقائق دامغة بالأسماء والأرقام والصور. ويكفي على سبيل المثال الاطلاع على كتاب «انهيار الأمل: العلاقات الكردية الإسرائيلية» للكاتب الإسرائيلي شلومو نكديمون، للخروج بصورة وافية عن طبيعة هذه العلاقات وسياق تبلورها التأسيسي في ستينيات القرن الماضي.

كذلك يمكن أي باحث على الإنترنت أن يقع على صور تجمع مسؤولين إسرائيليين بالأب المؤسّس «للنضال الكردي»، الملا مصطفى البرزاني، والد الرئيس الحالي لإقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني. ومن أبرز هؤلاء المسؤولين رئيس الموساد في حينه، مئير عاميت، الذي يعتبر مهندس العلاقات الكردية الإسرائيلية، إذ كان لجهازه الدور الأبرز في تأسيس هذه العلاقات وتطويرها كما هو شأن إسرائيل في علاقاتها السرية التي يُعهد بإدارتها إلى شعبة «تيفيل» في الموساد، بعيداً عن أروقة وزارة الخارجية.


يمكن تقسيم
مسار العلاقات إلى
أربعة مراحل
وبشكل عام، يمكن تقسيم مسار العلاقات الكردية الإسرائيلية إلى أربع مراحل، بدأت الأولى مطلع ستينيات القرن الماضي واستمرت حتى منتصف السبعينيات. وتروي الوثائق التاريخية أن مصطفى البرزاني، الذي خاض مواجهات مسلحة ضد الجيش العراقي، بادر إلى طلب الدعم التسليحي الإسرائيلي، فحصل عليه بوساطة إيران الشاهنشاهية التي رأت في التمرد الكردي فرصة لإضعاف العراق. وفي وقت لاحق، أعرب البرزاني عن رغبته في الاتصال المباشر بإسرائيل التي رأى فيها عاملاً مساعداً في تحقيق حلم الأكراد ببناء حكم ذاتي. وفي عام 1965، زار دافيد كمحي، أحد كبار ضباط الموساد، كردستان والتقى هناك بالبرزاني ليعود بعدها إلى تل أبيب ويقدم توصية إلى القيادة الإسرائيلية بجدوى تقديم الدعم لأكراد العراق في إطار «استراتيجية الدائرة الثالثة» التي أرساها دافيد بن غوريون، والتي تقضي بتطويق الدول العربية المحيطة بإسرائيل بتحالفات إسرائيلية معادية مع الدول المتاخمة لها، كإيران وإثيبوبيا وتركيا. ورأى كمحي أن تطبيق هذه الاستراتيجية على كردستان أمر في محلّه، نظراً إلى ما يمكن أن يشكله التمرد الكردي من تهديد دائم للجيش العراقي.
وبعد هذا اللقاء توالت الاجتماعات بين الجانبين، وأفضت إلى اتفاق أولي تم على إثره فتح أبواب كردستان أمام الخبرات والأسلحة والمعونات الإسرائيلية المختلفة التي تدفقت عبر الحدود الإيرانية بتنسيق جهاز السافاك الإيراني. وسرعان ما ارتقت العلاقة بين الجانبين إلى المستوى السياسي، فقام البرزاني بزيارة إسرائيل عام 1966 برفقة بعض أركان حزبه حيث التقى بأركان القيادة الإسرائيلية وقدم لوزير الدفاع، موشيه ديان، هديتين: خنجر كردي ومخطط لمصفاة النفط العراقية في مدينة كركوك التي جرى تفجيرها لاحقاً عام 1969 بعملية تخريبية نُفّذت بالتعاون بين الموساد والجهاز الأمني التابع للبارزاني. وفي دلالة على عمق العلاقات التي نُسجت بين الجانبين، يروي نكديمون في كتابه أن البرزاني احتفل باحتلال إسرائيل للقدس عام 1967 فذبح كبشاً علّق في رقبته شريطاً ملوناً بالأزرق والأبيض مكتوباً عليه: هنيئاً لإسرائيل. وفي عام 1973 زار البرزاني إسرائيل مرة ثانية، وقام بعد عودته إلى العراق بمهاجمة خط أنابيب النفط شمال العراق بناءً على طلب من تل أبيب التي كانت عرضة حينها لحرب تشرين.
وبحلول عام 1975، دخلت العلاقات الكردية الإسرائيلية مرحلتها الثانية التي اتسمت بالبرودة، وصولاً إلى فك الارتباط. وجاء ذلك نتيجة «اتفاقية الجزائر» التي وقعتها إيران الشاه مع الحكومة العراقية، وتضمنت تعهداً إيرانياً بوقف كل أشكال الدعم للميليشيات الكردية في مقابل اعتراف العراق بالترسيم الإيراني للحدود بين البلدين في منطقة شط العرب. وعلى إثر الاتفاق، سحبت إسرائيل وإيران مستشاريهما العسكريين من شمال العراق، مخلّفتين حالة سخط وسط الأكراد الذين شعروا بالخيانة.
لكن حرب الخليج الأولى عام 1991 أعادت وصل خيوط العلاقة بين إسرائيل وكردستان، ففتحت الأخيرة أبوابها مرة أخرى لأشكال مختلفة من الوجود الإسرائيلي، تقنّعت بهيئة المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاقتصادية. وإذ سعت إسرائيل خلال هذه الفترة إلى تنمية العلاقات مع حليفتها السابقة، فإن عينها بقيت على تركيا، الحليف الاستراتيجي الإقليمي الأهم لتل أبيب، والدولة ذات الحساسية الفائقة في ما يتصل بالمسألة الكردية. ولذلك، حرصت إسرائيل طوال فترة التسعينيات على عدم الظهور بمظهر المؤيد للاستقلال الكردي، بل إنها لم تتردد في اللعب على حبل المصالح التركية ضد الأكراد، فقامت، على سبيل المثال، بشن غارات على معسكرات لحزب العمال الكردستاني (PKK) في البقاع اللبناني خلال عدوان عناقيد الغضب عام 1996، فضلاً عن مساهمتها الاستخبارية في تمكين أنقرة من إلقاء القبض على زعيم الـ«PKK»، عبدالله أوجلان، في كينيا. وقد أوحى أوجلان، في مقابلة مع الصحافي الفرنسي كريس كوجيرا، في روما قبيل ترحيله إلى كينيا بملاحقة الموساد له حين قال «إن تركيا مصممة على معاقبتي، وهي تستطيع القيام بذلك بدعم إسرائيلي».
وإذا كانت حرب الخليج الأولى شكلت مدخلاً لاستئناف العلاقات بين كردستان وتل أبيب، فإن الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 افتتح مرحلة جديدة من تلك العلاقات، معيداً إياها إلى العصر الذهبي. وما هو إلا عام، حتى تحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن لقاء جمع مسعود البرزاني وجلال الطالباني برئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي أكد علناً أن تل أبيب «تقيم علاقات وطيدة مع الأكراد في شمال العراق» (هآرتس 2/7/2004). ولعل شارون كان يرد بتصريحه على مقالة نشرها قبل أيام سيمور هيرش في «نيويوركر» أكد فيها أن إسرائيل أرست حضوراً عسكرياً واستخبارياً في إقليم كردستان تطمح من خلاله إلى بناء قاعدة يمكنها من خلالها التجسس على إيران المجاورة. وكتب هيرش، مستنداً إلى استصراحات لضباط استخبارات أميركيين وإسرائيليين، أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية باتت تعمل بصمت في كردستان وتنفذ عمليات سرية داخل المجال الكردي في كل من سوريا وإيران، لافتاً إلى أن ضباطاً إسرائيليين يقومون بتدريب وحدات الكوماندوس الكردية.
ما كتبه هيرش على الورق، وثّقته قناة «BBC» البريطانية بالصور من خلال تقرير عرضته في أيلول 2006. ويظهر التقرير خبراء إسرائيليين يدربون أعضاءً في البشمركة على استخدام بعض أنواع الأسلحة في شمال العراق. وقد أحدث التقرير في حينه حرجاً لحكومة كردستان التي رفضت التعليق على التقرير، فيما نفت الحكومة الإسرائيلية علمها بمضمون التقرير وقالت إنها ستحقق فيه، نظراً إلى كون تصدير أسلحة من دون علمها يخالف القوانين الإسرائيلية! قبلها بأشهر، في أيار 2006، كان مسعود البرزاني يرد على سؤال صحافي حول العلاقات الكردية الإسرائيلية بالقول «ليست جريمة أن نقيم علاقات مع إسرائيل. فالعديد من الدول العربية لديها ارتباطات مع الدولة العبرية. إذا أسست بغداد علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإننا سنفتح قنصلية في أربيل». أما الرئيس العراقي، جلال الطالباني، فلم يجد حرجاً في مصافحة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، أمام الكاميرات، إبان مشاركة الاثنين في المؤتمر الـ23 للاشتراكية الدولية في أثينا عام 2008.
وفي مؤشر ذي دلالة، شهد عام 2009 صدور العدد الأول لمجلة «يسرائيل ــ كورد» في كردستان العراق، وهي مجلة تحظى برعاية السلطات الكردية وتتضمن تحقيقات ومقابلات حول العلاقة الإسرائيلية الكردية.
وتبقى الشهادة الأكثر تعبيراًَ عن طبيعة العلاقات الكردستانية الإسرائيلية هي التي أدلى بها الرئيس السابق لمحطة الموساد في كردستان، إليعيزر تسفرير، في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي في تموز 2010. ففي حديثه إلى الإذاعة، أكد تسفرير أن إسرائيل كان لديها مستشارون عسكريون في مقار القيادات العسكرية التابعة للبرزاني، وأنها زودت البشمركة بأسلحة، من بينها مضادات للطائرات، ودربتها عليها. وأضاف ضابط الاستخبارات الذي شغل إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان منصب رئيس محطة الموساد في بيروت، «منذ سبع سنوات، ألّفنا وفداً دائماً إلى كردستان العراق، لغايات مصلحية واضحة ومهمّة لنا». وتابع «لقد أرسلنا وفداً ضمّ، في بعض الأحيان، مستشاراً عسكرياً، وزوّدنا الأكراد بالسلاح، وبصورة أساسية بمدافع ميدانية وبمدافع مضادة للطائرات، ودرّبناهم هناك في شمال العراق وهنا في إسرائيل، ولدينا هناك مشروع إنساني مميز، وهو مستشفى ميداني تابع للجيش الإسرائيلي في شمال العراق».




أصول عرقية مشتركة بين الأكراد واليهود

لا تَقصُر تل أبيب العلاقات التي تجمع اليهود بالأكراد على الشؤون الأمنية والسياسية والاقتصادية، بل توسعها باتجاه الحديث عن الاصول الواحدة والمشتركة، من ناحية وراثية وجينية. فوفقاً لدراسة صدرت عن الجامعة العبرية في القدس عام 2001، ونُشرت خلاصتها في صحيفة «هآرتس» بتاريخ 21 تشرين ثاني من العام نفسه، تجمع الشعبين أصول وأسلاف مشتركة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وتحديداً في النصف الشمالي من مناطق الهلال الخصيب القديم، حيث شمال العراق وتركيا اليوم. الدراسة التي أعدها فريق من الباحثين المتخصصين في علم الوراثة والجينات، ورغم إقرارها بأن نتائجها ما زالت غير كاملة ولا يمكن إثباتها بصورة قاطعة، تؤكد أن النتائج التي توصلت إليها لا يمكن تجاهلها. وبحسب «هآرتس»، عمل الباحثون على مقارنة الحمض النووي (دي أن إي) على عينة ذكرية من 1847 يهودياً أشكنازياً وسفاردياً، وأكراد من اليهود والمسلمين والمسيحيين، إضافة إلى ذكور من الأرمن والروس والعرب. وكانت المفاجأة أن الشبه بين الحمض النووي للأكراد واليهود أكبر من الشبه بين اليهود والعرب من الفلسطينيين، وهي النتيجة النقيضة التي أكدتها أبحاث جينية سابقة. وبناءً على هذه العينة ونتائجها، تخلص دراسة الجامعة العبرية إلى التأكيد على الرابط الوراثي والجيني القوي بين الأكراد واليهود، والتأكيد على أن الشعب الكردي هو أقرب شعوب العالم إلى الشعب اليهودي.