على مدى السنوات الماضية، انكشفت ممارسات «كونتوارات التسليف» في «تشليح» الزبائن واستغلال عوزهم لوضع اليد على أملاكهم ومقتنياتهم الثمينة. هذه الكونتوارات كانت تعمل وفق قوانين التجارة، رغم أنه يجب إخضاعها لقانون النقد والتسليف الذي ينظّم عمليات التسليف. وبالتالي، لم يكن عملها مع الزبائن منظّماً أو خاضعاً للرقابة كالتي تخضع لها المؤسسات المالية والمصرفية. ولذا، فإن أعمالها كانت تجري وسط فوضى وضمن أطر غير معتادة. فعلى سبيل المثال، كانت الفوائد على القروض تصل إلى 30%، أما الضمانات فكانت أكبر بكثير من قيمة القروض الممنوحة.
رغم ذلك، لم يكن هذا القطاع من ضمن أولويات الجهات الرقابية والتنظيمية، ما حفّز توسّعه بصورة كبيرة ليبلغ عدد المؤسسات العاملة في هذا المجال أكثر من 500 كونتوار تسليف.
ومع الانكشاف التدريجي لفضائح هذه الكونتوارات وممارساتها، أصبحت تحت المجهر، إذ أعدّت لجنة الرقابة على المصارف كتاباً عن دعايات تروّج لها شركة «العربية للتسليف» (قرض بـ 5 دقايق)، مخالفةً شروط التسليف وأصول إجراء العمليات المصرفية، فأحيل الكتاب إلى مصرف لبنان، ثم وجد طريقه إلى النائب العام المالي.

حظر الوكالات غير القابلة للعزل أو وكالات البيع لصالح الكونتوارات

فتحت هذه القضية العيون على كونتوارات التسليف وممارساتها. فقد تقدّم أحد المتضررين بشكوى يقول فيها إنه يتعرّض للابتزاز والاحتيال من كونتوار تسليف فرض عليه توقيع وكالة غير قابلة للعزل كضمانة للحصول على القرض المالي. وتبيّن أيضاً أن هذه الممارسات ليست محصورة بوكالة غير قابلة للعزل، فبعض المتضررين تحدثوا عن توقيع عقود بيع ممسوحة مع حقّ الاسترداد كضمانة للقرض... المهم أن الفوضى المستشرية في هذا القطاع فتحت الباب أمام ألاعيب بالجملة بقيت تحت الرماد لفترة طويلة، قبل أن ينفضح بعضها في الأشهر الأخيرة.
حسم النقاش في جلسة المجلس المركزي لمصرف لبنان المنعقدة بتاريخ 14/1/2016، فأقرّ المجلس قراراً رقمه 12174 وعنوانه «شروط ممارسة عمليات التسليف وفقاً لأحكام المادتين 183 و184 من قانون النقد والتسليف». يفرض القرار على الكونتوارات الاستحصال على «علم وخبر» بعد تقديم مجموعة من المستندات التي تثبت تقيّدها بالشروط الصادرة عن مصرف لبنان.
يكاد يكون الـ«علم وخبر» مشابهاً للترخيص المسبق، إذ بات لزاماً على كونتوارات التسليف انتظار صدوره عن مصرف لبنان ونشره في الجريدة الرسمية لمباشرة عملها. ويحصر القرار عمل الكونتوارات «بعمليات التسليف» وأن يكون الحد الأدنى من رأس مالها مليار ليرة للفرع الرئيسي ومليارَي ليرة «أموال حرّة» لكل فرع إضافي.
وسواء كانت هذه الكونتوارات شركات مغفلة أو شركات مساهمة، أو فردية، يجب عليها أن تقدّم مستندات تثبت هوية مالكيها ومحاضر الجمعية العمومية وتقويمات للذمة المالية لكل من مساهميها ومديريها، فضلاً عن شهادات تسجيل وإذاعة تجارية... وفرض مصرف لبنان على الكونتوارات «أن تُثبت على الدوام أن موجوداتها تفوق بالفعل مطلوباتها بمبلغ يساوي على الأقل قيمة رأس مالها، ولا يجوز للكونتوار خفض رأس ماله أو استرداده». كذلك بات على الكونتوارات تعيين مفوضي رقابة أو مدققي محاسبة، وإبلاغ مصرف لبنان عن أي تعديل يطرأ على بنية مساهميها أو على الأموال التي تستعملها أو إصدار سندات دين.
أما التسليفات التي يمكن أن تمنحها الكونتوارات لشخص واحد معنوي وطبيعي، فلا يجب أن تتجاوز 5% من الأموال الخاصة أو 150 مليون ليرة، على ألا يتجاوز مجموع تسديدات العميل من كل القروض الممنوحة له من الكونتوار ومن باقي المؤسسات المالية ما نسبته 35% من دخل عائلته.
وحظر مصرف لبنان على الكونتوار الاقتراض من المصارف والمؤسسات المالية، ومنح تسليفات تتجاوز قيمتها أربعة أمثال أموالها الخاصة، ومنح قروض تقل قيمتها عن 60% من قيمة الضمانة، واستيفاء رسوم فتح ملف، والاستحصال كضمانة للتسليفات «وكالات غير قابلة للعزل أو وكالات بيع لصالحها أو باسمها أو باسم أي طرف ثالث تابع لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة».
وبات لزاماً على الكونتوارات «التقيد بالنصوص التنظيمية والقانونية والتطبيقية الصادرة عن مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف... وخصوصاً لجهة أصول التسليف وشروطه وشفافيته وأصول إجراء العمليات مع العملاء، ومعدلات الفوائد الفعلية المستوفاة من العملاء وكيفية احتسابها بشكل واضح، ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب».
كذلك أخضعت الكونتوارات للتصريح عن بياناتها المالية وتقديم أوراقها قبل نهاية نيسان من كل سنة، والأهم من ذلك كلّه «التصريح إلى المصلحة المركزية للمخاطر المصرفية عن التسهيلات التي تمنحها لزبائنها».
وأمهلت الكونتوارات العاملة حالياً فترة سنة لتقديم أوراقها والحصول على «علم وخبر»، على أن تصدر لائحة الكونتوارات الحاصلة على «علم وخبر» بعد ستة أشهر، ثم نشرها في شهر كانون الثاني من كل سنة.