غزة | هجرة قسرية جديدة فرضها الجيش الإسرائيلي في هجمته المستمرة لليوم التاسع على التوالي ضد أهالي غزة من المدنيين تحت عنوان «محاربة حماس». وكعادتها بعد الإخفاق في وصولها إلى المقاومين، كررت إسرائيل «فش الخلق» في الآمنين، فراحت تدمر منازلهم فوق رؤوسهم لتقتل وتجرح المئات وتشرد عشرات الآلاف، في مشهد يعيد الأهالي إلى الحربين السابقتين، أو النكبة التي عاشها أجدادهم قبل 66 عاماً.


في هذه «الهجرة الداخلية» لعل معاناة «المشردين» أشد قساوة من سابقاتها، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة منذ ما قبل الحرب. غالبيتهم يقولون إنهم لا يملكون النقود لاستئجار منازل. وتزيد الأزمة مع اجتماع الأقرباء ممن هدمت وتضررت بيوتهم، أو تلك التي لا تزال مهددة بالقصف، وبدأت هذه الاستضافة الإنسانية لأكثر من أسبوع في ظل تخوف من امتدادها، خاصة مع بدء فقدان المواد الغذائية الأساسية، ما يدعو النازحين إلى توزيع أنفسهم على عدة عائلات من قرابتهم بدلاً من البقاء لدى بيت واحد.
من هؤلاء المواطن جميل الدهشان الذي كان يقطن في حي الزيتون جنوب شرق غزة قبل أن ينضم منزله إلى مئات المنازل التي سويت بالأرض. هو الآن حتى انتهاء الحرب، وما بعدها، أصبح من «النازحين الجدد» مع عائلته المكونة من 12 فرداً، واضطروا جميعاً إلى اللجوء إلى منزل أحد أقربائهم الفقراء.
صباح كل يوم يأتي الدهشان إلى منزله المدمر ليتأمل بقاياه التي لا تصلح لشيء، مع ذلك يواصل أبناؤه البحث في الأنقاض عن شيء للذاكرة. يقول لـ«الأخبار»: «إسرائيل تنفذ سياسة التهجير مجدداً، وتضعنا أمام خيارين إما النزوح أو أن تهدم البيوت فوق رؤوسنا»، مضيفاً بصوت عال: «كلنا ثقة بأننا سندحرهم عن أرضنا، ولتعش مقاومتنا».
أما زوجته فلم تجد سبيلاً سوى أن تلتزم ركناً في بيت سِلْفها الصغير لتبكي حرقة على حالهم. وتقول وعيناها مليئتان بالدموع: «بتنا مشردين، نعيش الآن في بيت قريب لنا لكنه صغير ووجودنا ثقيل عليهم». ولا يخفى على الدهشان وزوجته أن أي عملية إعمار لن تطلق قبل سنوات، كما حدث مع أصحاب البيوت المدمرة في الحربين السابقتين أو حتى قبل عام 2008، وهو ما يثير قلقهم من الآتي، خاصة أن الوضع الاقتصادي يصعب عليهم استئجار منزل يؤوي أبناءهما.
إلى بيت حانون شمال القطاع، حيث نصبت عائلة الزعانين خيمة فوق ركام منزلها الذي دمرته الطائرات الإسرائيلية. قرروا أن يمكثوا على بقايا منزلهم مثلما فعلوا تماماً في عدوان 2008 الذي جرى خلال الشتاء، لكن الخيمة أيضاً لا تقيهم حر الصيف. ولعل خصوصية رمضان تزيد معاناتهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مستضيفيهم الذين يحلّون عليهم ليلاً للنوم، في ظل تعذر بياتهم هناك تحت القصف مع بقاء الرجال نهاراً في الخيمة.
كذلك تعاني عائلة الحرازين العذاب نفسه. وتذكر آمنة الحرازين (36 عاماً) أنه يصعب عليهم بعد تدمير منزلهم في حي الشجاعية البقاء ضيوفاً عند جيرانهم. وكررت في حديث مع «الأخبار» الإشارة إلى الأوضاع المالية ومصاريف الإفطار، لكن جارتها راحت تردّ معاتبة: «لا تقلقوا... سنتقاسم اللقمة معاً».
هذا على جانب من هدمت بيوتهم، لكن حالة نزوح داخلية أخرى جرت شمال القطاع، وقالت وسائل الإعلام إنها نتيجة المناشير التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية صباح الأحد الماضي، وتطالب المواطنين، خاصة أهالي بيت لاهيا، بمغادرة المنازل الواقعة من شرق حي العطاطرة حتى السلاطين، تمهيداً لقصفها بالطائرات.
في المقابل، ينفي الأهالي لـ«الأخبار» أن نزوح جزء منهم كان بسبب هذه المناشير، مشيرين إلى أن السبب هو الليلة الصعبة التي عاشوها جراء عملية الإنزال البحري للقوات الإسرائيلية الخاصة وتصدي المقاومة لهم، فتحولت تلك المنطقة وما حولها إلى جبهة عسكرية عنيفة استمرت حتى ساعات الصباح، ما سبّب رعباً كبيراً لدى الأطفال دفع الأهالي إلى المغادرة نحو مدارس وكالة الغوث «الأونروا» القريبة.