أعدّ مركز الأبحاث الجيوفيزيائية في المجلس الوطني للبحوث العلمية تقريرا عن مشروع سد جنّة على نهر ابراهيم، ونشر الخلاصات الرئيسة التالية:

- إن المخاطر الزلزالية الداهمة على سكّان المناطق بعد إنشاء السدّ، كما المناطق المجاورة له، ستزداد بسبب إنشاء هذا السدّ.
- تجفيف مجرى نهر إبراهيم وواديه الأوسط والسفلي من المياه، وهو أحد الأنهار النادرة الذي لا يزال موجودا. سيكون له إنعكاسات سلبية حادة على البيئة البحرية كما على المناطق الساحلية.
- كل مشروع سد يقام على المخازن الكارستية في جبل لبنان يستلزم دراسات علمية معمّقة وقياسات وكيول على فترة زمنية طويلة مع أخذ آراء الخبراء الجيولوجيين العاملين على الكارست. من هنا يجب أخذ كل الحيطة والحذر إزاء مشاريع لم تحظ بهذا النوع من الدراسات الوافية.
- هناك إمكانية للبحث عن مشاريع بديلة لتزويد العاصمة بيروت بالمياه العذبة.
وخلص التقرير، في ما خصّ الدراسات التي تسلّمها المركز، الى التالي:
- إذا أخذنا بالإعتبار الأشغال الجديدة ضمن الإطار التكتوني العام والخطر الزلزالي، فالدراسات لم تجرِ بشكل مناسب.
- ان طبيعة الإنحدار القوي والسريع لمجاري الأنهار اللبنانية، النابعة من جبل لبنان ضمن صخور كربوناتية كارستية، هي على درجة كبيرة من التشقق والتذويب، وهذه العوامل لم تأخذ بالحسبان لجهة الأخطار الكبيرة الناتجة عنها.
- ان تداخل النظام التكتوني الزلزالي مع المخاطر الأخرى (نظام المياه السطحي والجوفي) خطر جدا، ولم يعالَج أو يُتطرّق اليه في الدراسات المقدّمة.
- بحسب إحدى هذه الدراسات (المكتب الألماني BGR) ستتراكم الجرفيات والردميات الآتية من الأعلى وستؤدي الى منع دخول الماء الى المجرى.
- ان التناقضات ضمن هذه الدراسات تدعو الى الحذر الشديد.

وادي نهر ابراهيم سيضحى مركزا لعملية تجريبية ضخمة

تحذير اضافي من المشروع

هذه هي الخلاصات الرئيسة في التقرير الصادر عن مركز الأبحاث الجيوفيزيائية في المجلس الوطني للبحوث العلمية، وهو الجهة الرسمية التي تقوم بعملية رصد وتسجيل الزلازل وتحديد مراكزها. وهذه ليست المرّة الأولى التي يظهر فيها تقرير علمي يُثير الشكوك حول جدوى إنشاء سدّ جنة على نهر ابراهيم، ما يطرح تساؤلات كثيرة عن سبب الإصرار الذي يُبديه مؤيدو المشروع لاستكماله ويضعهم أمام استحقاق الإجابة عن جميع هذه المخاوف العلمية المطروحة.
في 31-8-2015، أصدرت وزارة البيئة قرارا يقضي بوقف العمل في المشروع "في ضوء المخاطر البيئية التي برزت". حينها استندت الوزارة الى تقرير تقييم الأثر البيئي الذي حذّر من الأكلاف المادية والبيئية المترتبة عن انشاء المشروع (http://www.al-akhbar.com/node/246753). سبق تقرير وزارة البيئة، تقرير الوكالة الألمانية الرسمية BGR، وهي الجهة المكلّفة من الحكومة الألمانية التعاون التقني مع لبنان في موضوع المياه، والصادر في 3 حزيران 2012، وهو يؤكدان نسبة التسرّب المائي ستكون "هائلة"، واوصى بالتالي بعدم الاستمرار في بناء السد. كذلك تقرير الشركة الإستشارية العالمية SAFEGE المكلفة من قبل مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان الذي خلص الى "أن الموقع المقترح للسد يتميز بطبيعة جيولوجية وهيدروجيولوجية معقدة لا تناسب إنشاء خزان مائي"، لافتا الى احتمال تسريب مياه بحيرة السد نتيجة الفوالق الموجودة في المنطقة.
التقرير الصادر عن مركز الأبحاث الجيوفيزيائية يأتي منسجما والتقارير المذكورة أعلاه، من ناحية طرحه "مخاوف" وشكوك جدّية.

احتمال زلزال عميق

يبدأ التقرير بالاشارة الى أن المراجع التي استلمها المركز المتعلّقة بالمخاطر الزلزالية تبيّن أن هناك فهما خاطئًا لهذه المخاطر، "لأنه من الواضح أن الأسس الأولية للوضع التكتوني لجبل لبنان لم تؤخذ بعين الإعتبار من قبل المسؤولين العاملين على هذا السدّ". ويلفت التقرير الى ان انشاء هذا النوع من المشاريع يتطلب تكثيف الدراسات والقياسات على الأرض وأن "هذا الحرص العلمي الشديد والوعي للمخاطر لا يتأتى الا بعد عشرات السنوات من القياسات والتحاليل الطويلة الأمد".
يقول التقرير: "نشهد ومنذ 50 عاما، إضمحلال مجاري الأنهار الدائمة التي لا تصل الى البحر مثلا: نهر الكلب ونهر أبو علي ونهر الدامور، التي لا تصل الى البحر سوى في موسم الفيضانات الشتوية الكبيرة، وإختفاء نهر الكلب على ارتفاع 1000 متر عن البحر مقابل ميروبا مثال واضح على ذلك". يضيف التقرير: ان "مجاري المياه الفيضانية في جبل لبنان، هي باتجاه عام شرق غرب متأثرة بالفوالق العرضية الواضحة على سطح صخور الجوراسيك الكاربوناتية الكارستية، وهي غير بعيدة عن فالق اليمونة، ما يُساهم في رفع جبل لبنان من ناحية ونشوء خط زلزالي بحري على طول خط تلاقي وانزلاق الصفيحتين". ينطلق التقرير من هذا الشرح ليخلص الى أن تأثير هذا الوضع التكتوني النشط مع عمليات التذويب الصخري قاتل للمجاري المائية السطحية، التي تختفي داخل الشقوق والفراغات وخاصة الفيضانية في فترة ذوبان الثلوج "بحيث أصبحنا نرى مجمل المجاري جافة تماما بفعل التسريبات شبه الكاملة الى عمق الصخور الكربوناتية بدون أي تدخّل انساني". ويرى التقرير أن جفاف هذه المجاري المائية له إنعكاسات سلبية على البيئة البحرية "التي لم تعد تستقبل مياه عذبة وترتفع فيها الملوحة وحرارة الماء وتنخفض نسبة الأوكسيجين في الكتلة الحياتية البحرية وتساهم بالتغيرات المناخية المحلية".
يشير التقرير الى أن "المسطح الزلزالي المُرفق يعكس حالة عدم الثبات في نظام الفوالق في جبل لبنان"، وأنه " لو أصبح أحد هذه الفوالق مكان تمزّق صخري تكتوني قوي، فبإمكان ذلك أن يولد زالزالا غير عميق على درجة 6 من مقياس ريختر أو يمكن أكثر".

الاعمال الإعدادية متواصلة

يُذكر أن اعمال بناء السد بوشرت عام 2013، قبل اعداد دراسة تقييم الأثر البيئي، في مخالفة صريحة لقانون البيئة. حاليا، الأعمال في بناء السدّ متوّقفة عملا بقرار وزير الزراعة أكرم شهيّب القاضي بتجميد قطع الأشجار والمتخذ في تشرين الأول عام 2014، كذلك عملا بقرار وزارة البيئة المتخذ في 31/8/2015.
يقول رئيس الحركة البيئية في لبنان بول ابي راشد إن أعمال البناء في السدّ متوقفة "ولكن لا شيء مضمونا في ظل الاصرار الحاصل من قبل التيار الوطني الحر على استكمال المشروع"، فيما يشير المنسّق العام للإئتلاف المدني الرافض لسدّ جنة رجا نجيم الى أن "هناك عمليات قطع أشجار تجري في الطريق القريبة من السدّ وهو ما يمثّل مخالفة لقرار شهيّب".
أعمال بناء السد متوقفة إذا إلا أن الأعمال "الإعدادية" له مستمرة. هذه الأعمال يجب أن تأخذ بعين الإعتبار "السيناريو الذي يمكن أن يطرأ جرّاء إنشاء سدّ لحصر المياه السطحية في وادي بقلب الصخور الكربوناتية لعصر الجوراسيك في جبل لبنان"، إذ يلفت التقرير الى أن "جريان المياه والنشاط الزلزالي مزيج خطر يمنع إنجاز المشاريع الإنشائية على الصخور الكربوناتية الكارستية، كما أن التراكمات والترسبات المحلية داخل الشقوق ممكن أن تقفل بعض الفوالق وتؤدي الى زلازل صغيرة محلية".
يقول التقرير إنه أُنشئت سدود على مناطق ناشطة زلزاليا، وغالبا يجري اللجوء في هذه الحالة الى طريقة "السدّ الوازن"، وهذا ما سيقومون به في سدّ جنة، "لكننا فهمنا ان تصورات السد الوازن لسد جنة جديدة ولم تُجرّب من قبل بحسب مصممي المشروع! فهذا الوادي من جبل لبنان سيضحى مركزا لعملية تجريبية ضخمة"، ويوصي التقرير في هذه الحالة بالتأكّد إذا ما جرى اتخاذ جميع الاجراءات الإحترازية الشديدة الحذر في إدارة ومراقبة هذا النوع من الإختبارات وهذه التجربة الجديدة "لكن قراءة سريعة للتقارير لا توحي بذلك"، يقول التقرير.
"كيف سيكون الوضع الزلزالي للمنشآت الملحقة بالسد من قساطل مضغوطة والمغاور والأنفاق التي سيجري حفرها وإستحداثها في الصخور المشققة أصلا؟ يشير التقرير الى أنه "ما من معطيات ضمن التقارير التي وصلت حول تفاصيل التدابير التي ستتخذ لحماية هذه المنشآت"، ويتساءل: "كيف لخبير زلزال ألا يكون قلقا من إمكانية التواء قساطل مياه مغطاة تحت الاتربة الممتدة من معمل ضبية باتجاه بيروت، هذا الخط الحيوي الذي يمكن أن يتأذى من زلزال كالذي حدث سنة 1918 او سنة 1956".