منذ أحداث الضنية عام 2000، نادراً ما فوّت عضو كتلة المستقبل النيابية خالد ضاهر فرصة لمواكبة المعتدين على الجيش بتحريض قلّ نظيره. أما زميله في كتلة عكار النائب معين المرعبي فكان يحلم، في بداية ولايته عام 2009، بأن يحقق بعض المشاريع الإنمائية لعكار، متنقلاً بين الوزارات مع ملفات عدة. لكن لم يلبث المرعبي أن التزم بخريطة الطريق التي رسمها اللواء أشرف ريفي له كما هي ومن دون أي مبادرات شخصية، رداً منه لجميل ريفي بتزكيته عند الحريري عشية اختيار الأخير لنوابه. وسرعان ما غدا المرعبي الرجل الثاني، بعد ضاهر، في فرقة الشتامين المستقبليين للمؤسسة العسكرية. لا ينصب التكفيريون خيمة احتجاجية إلا يكون أول وآخر من ينام فيها؛ ظنّ المتابعون أن الفرخ «الداعشيّ شادي» المولوي ابن عمه والشيخ أحمد عبد الواحد خاله، وذهب المتفائلون به إلى حد توقعهم تفجير نفسه في إحدى ثكن الجيش السوري.


لا يقول ضاهر ما يقوله لرغبته في إسماع الجماهير ما يودون سماعه، إذ يكاد لا يخلو منزل في دائرته الانتخابية (عكار) من عسكريين اثنين على الأقل. ولم تفوت بلديات المنطقة، بما في ذلك بلدته ببنين، مناسبة لإبراز تأييدها الشديد للجيش. وهو يسرف، بالتالي، في معاداة الجيش ظناً منه أن إفراغ طرابلس والضنية وعكار وبعض مناطق البقاع من الجيش يتيح تحسين أوضاع المقاتلين السوريين في مواجهة النظام على المستوى الإقليمي، ويحوّله على المستوى الشخصي من نائب في كتلة إلى والٍ على كل هذه المنطقة ضمن الدولة الإسلامية، مع العلم بأن بعض المسؤولين في تيار المستقبل كانوا يشككون قبل عامين بنيات ضاهر المبيتة خلف خطاباته هذه، مفترضين في غرفهم المغلقة أنه لم يقطع علاقاته مع أصدقائه في الاستخبارات السورية، وهو يقول ما يقوله لإثبات رواية النظام عن الأصوليين وتورّط الحريريين في النزاع السوري. أما المرعبي فيردد ما يكتب له على عجل ليضمن ريفي بواسطته نفوذاً، ولو صغيراً، في البيئة المؤيدة لضاهر. وقد فعّل ريفي كل علاقاته ليضمن وقوف المرعبي ولو على قدم واحدة إلى جانب ضاهر؛ حتى إذا استدعت الحاجة ريفي يوماً أن يواجه ضاهر داخل بيته، يكون المرعبي حاضراً.


ضاهر يعبّر عن مشروع إقليمي وطموح شخصي والمرعبي ينفذ ما يطلبه ريفي منه

وبعد نجاحه عكارياً، دفع ريفي المرعبي للعب الدور نفسه في أوساط الإسلاميين في طرابلس ومع النائب محمد كبارة. ورغم العلاقة السيئة بين ريفي وكبارة؛ ها هو المرعبي يؤدي المهمة المطلوبة منه إلى جانب كبارة على أكمل وجه.
بناءً على ما سبق، يمكن فهم خلفية موقفي ضاهر والمرعبي تجاه المؤسسة العسكرية؛ الأول يعبر عن مشروع إقليمي وطموح شخصي، والثاني ينفذ ما يطلبه اللواء أشرف ريفي منه. أما ما لا يمكن فهمه، فهو مواقف كل من النواب محمد كبارة وهادي حبيش وجمال الجراح وآخرين. ففي طرابلس، تضع بعض التحليلات مواقف كبارة الأخيرة في خانة محاولاته المستمرة لمزاحمة ريفي على الفوز بثقة الإسلاميين، وتكاد لا تمر مناسبة أخيراً من دون مزايدة كل منهما على الآخر في الخطاب التحريضيّ، كأن الانتخابات حاصلة غداً. لكن الرواية هذه تتناقض مع معرفة المدينة الكبيرة بعلاقة كبارة الوثيقة باليرزة، وتحديداً مديرية الاستخبارات. وتقول المدينة إنها علاقة قديمة تعود إلى أيامه الشمعونية حين كان الفوز بوظيفة «الونيش» على مرفأ طرابلس مستحيلاً من دون خط عسكري. ولهذا يحوم التباس كبير حول مواقف كبارة الأخيرة، فهو ليس إسلامياً من قريب أو بعيد (على غرار ضاهر)، ولا هو ممن يسيّرهم هذا الوزير أو غيره، وهو خبير في مراعاة الحس الشعبي الذي بدا واضحاً في طرابلس خلال الأيام القليلة الماضية أنه لا يريد الانجرار مجدداً إلى دوامة العنف. والجدير ذكره هنا، أن كبارة ابتدع سابقاً وصف «عاصمة المسلمين السنة» لمدينة طرابلس، وشطح مرات عدة في دفاعه عن قادة المحاور والمسجونين في رومية، لكنه لم يذهب يوماً إلى حيث وصل أخيراً في التحريض على الجيش. واللافت أنه كان المبادر إلى الاتصال بكل من ضاهر ومرعبي ليحيطا به في مؤتمره الصحافي، وحرص على حضور شقيقه عبد الغني كبارة مستشار الرئيس سعد الحريري للشؤون الطرابلسية، فيما كان حليفه المفترض في كتلة المستقبل وشريكه في التأفف من زعامة ريفي الطارئة وقريبه عائلياً النائب سمير الجسر أول من غسل يديه منه.
أما حبيش الذي يتصرف منذ شهرين كمسؤول للعلاقات العامة في لجنة مهرجانات القبيّات، لا كعضو في المجلس النيابي، فيستحيل فهم مواقفه هو الآخر. هو لم يتّعظ من الدرس القبياتي له في الانتخابات البلدية الفرعية الأخيرة، حين ردّت صناديق البلدة على انتقاداته للجيش غداة مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد، ولم تتح له الفوز ولو بعضو واحد في المجلس البلدي. ولا يأخذ في الاعتبار شعور بلدته بأن ما يطمئنها في مواجهة احتمال التفات «الداعشيين» صوبها يوماً ما، وهو وجود حزب الله في المناطق المجاورة لها: هم يراهنون على الحزب مع الأسف، لا على إقناع حبيش للتكفيريين بالعدول عن مهاجمة البلدة التي مثّلت المؤسسة العسكرية ولا تزال حجر زاويتها. وعليه، كان بإمكان حبيش اختراع عمل ما في الصين أو غيرها للاختفاء بضعة أيام، أو يتابع ترتيبات مهرجانه الفني أو يغيب على غرار عدة نواب مستقبليين آخرين بكل بساطة عن السمع؛ إلا أنه آثر تكثيف إطلالاته لإقناع المشاهدين في هذه اللحظة الداعشية بالذات أن حزب الله مثل «داعش».
ماذا يجني النائب جمال الجراح من اتهامه ثلث الناخبين في دائرته الانتخابية بقصف الثلث الآخر؟ لا أحد يعلم صراحة. لماذا لا يترك حبيش والجراح وأحمد فتفت مهمة التصريح لهيئة علماء المسلمين، طالما أن الشيخ سالم الرافعي مستعد لكل شيء من أجل أن يستعيد صدقيته عند الإسلاميين؟ كما لا يعلم أحد ماذا تقدم لهم تصريحاتهم طالما أن صناديق المقترعين السنة متخمة بأصواتهم، فيما هي ستؤخرهم يوماً ما دون شك في صناديق المقترعين الشيعة والدروز والمسيحيين.