غزة | حقق الطفلان محمد ونضال المناصرة حلما بسيطا، لكنه كان يشغل بال أطفال غزة كلهم. لقد استجاب الأب لهما قبل الحرب على القطاع بشهر وجلب بركة اصطناعية صغيرة وضعها في فناء المنزل ليلهوا فيها بدلا من الخروج بعيدا عن البيت. صارت هذه البركة فرحتهما الكبرى وملاذهما الأساسي للعب بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وقلة أماكن الترفيه. هذا قبل الحرب، أما خلالها، فكانت لها قصة أخرى.


وحتى الرابع من الشهر الجاري أشارت التقارير إلى استشهاد 408 أطفال، أي 31% من العدد الإجمالي للشهداء المدنيين، وكان أكثر من 70% من 251 فتى و157 فتاة قتلوا أعمارهم 12عامًا أو أقل، كما أن أي طفل في السابعة يكون الآن قد عاش حربين سابقتين في غزة.
يحكي والد الطفلين كيف كانا يذهبان عند استيقاظهما مباشرة إلى البركة معلنين «أن موعد المرح قد بدأ»، ويقول خلف المناصرة لـ«الأخبار»: «حياتهما الصغيرة ارتبطت بها، لكن طائرات الاحتلال حولت لون البركة إلى الأحمر مع أجزاء من جسديهما»، وذلك بعدما قصفت الطائرات ساحة المنزل.
المجزرة حدثت في يوم الأربعاء من الأسبوع الأول للحرب في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، إذ دوى صوت انفجار ضخم كان ناتجا عن استهداف منزل عائلة المناصرة بصاروخ من طائرة «أف 16» لينطلق أهل المنطقة بحثا عن ناجين من تحت الحطام.


400 ألف طفل
يحتاجون إلى علاج نفسي بسبب «التجربة الصادمة المباشرة»


كان المنظر مروعا، فقد اختلط جسدا الطفلين الصغيرين بحطام ملاذهما الوحيد للعب، وفوق كل ذلك حجارة منزلهما. الدماء والأشلاء في كل مكان. في تلك اللحظة، خرج عم الطفلين صلاح وزوجته عائشة الحامل بطفل مفزوعين لتستهدفهما الطائرات الحربية بصاروخ آخر حوّل جسديهما مع الجنين إلى أشلاء دفنت في قبر واحد.
مشيئة الله كانت نجاة باقي أفراد العائلة، برغم سقوط المنزل على رؤوس ساكنيه في الاستهداف الثاني. هنا يضيف والد الطفلين الشهيدين: «الاحتلال سلب مني طفليّ وهما يلعبان في ساحة المنزل»، متابعا: «جثة نضال (سنتين) كانت معلقة على شجرة الزيتون التي يجب أن تكون رمزا للسلام، أما ابني محمد (4 سنوات)، فالتصقت أشلاؤه مع أخي صلاح وزوجته».

أما أم الشهيدين، فاستطاع أحد أبناء العائلة أن يستخرجها بصعوبة من بين الركام قبل أن تلفظ أنفاسها، لكنها تحسنت وعادت إلى الحياة. تقول لـ«الأخبار» من على سرير المستشفى: «كنت جالسة أقرأ القرآن وكانت أم زوجي تتحدث عن وجبة الفطور التي ستعدها... في لحظة ما لم أستطع أن أقف على قدمي ثم صحوت ووجدت نفسي هنا».
ولم تسعفنا الكلمات في التخفيف عن الأم التي صارت تبكي وتندب حظها لأنها هي التي ألحت على زوجها بإحضار بركة الماء التي استشهد فيها الطفلان.
الخوف والرعب اللذان عايشتهما الحاجة مريم النواصرة (83 عاما) أسكناها مكانها لتصاب بعدة إصابات مختلفة في جسدها بعد سقوط سطح المنزل عليها في الاستهداف (الصاورخ) الثاني، والآن قلبها يعتصر ألما على ما حدث كما تقول إنها تمنت استشهادها مقابل استمرار الحياة لابنها وحفيديها. وأكملت: «كنت أتشوق إلى أن أحمل حفيدي من ابني صلاح، لكنه استشهد في بطن أمه».
في قصة ألم ثانية، تقف دراجة أحد الأطفال أمام منزله حزينة، وينتظره أخوه وأبناء عمه ليشاركهم سباقهم بالدراجات، الذي اعتادوا كل يوم فعله. ولحين عودة أنس صرصور (8 سنوات) من سريره في مستشفى ناصر الطبي في مدينة خان يونس (جنوب) يرفض الأطفال الواقفون بجانب الدراجة أن يلمسوها، كما يجلسون أمام ساحة منزلهم والحزن يسيطر عليهم، ويتبادلون الحديث عما أصاب منزلهم.
القصة بدأت أيضا حينما قصفت الطائرات منزل العائلة بصاروخ من طائرة استطلاع، فأصيب الطفل الصغير، لتهرب جدتهم مع باقي الأطفال إلى الطابق الأول، فيما بقيت النساء وبعض الأطفال ومنهم أنس في الطابق الثاني.
رغم أن أفراد العائلة في الطابق الثاني احتموا وسط المنزل، فإنه بعد الاستهداف مباشرة لم تعد أم أنس ترى ابنها لكثافة الدخان والرمال والحجارة الناتجة من القصف. أما الجدة، فتقول إنها انتظرت أكثر من 5 دقائق حتى تستطيع أن تستوعب ما حدث، وبدأت تتحسسهم وتنادي عليهم لتعرف ما حل بهم.
بعد عدة دقائق جاءت سيارات الإسعاف وأجلت المصابين، ومنهم أنس الذي كانت الدماء تسيل من قدمه بغزارة، كما تهشمت عظامه. بعد ذلك أجريت له أول عملية، زرع فيها له بلاتين خارجي ضمن المرحلة الأولى، على أن يجري تجبيرها مرة أخرى لكنها ستحتاج إلى وقت طويل لتتماثل للشفاء.
يقول أنس وهو يبتسم: «بعد إصابتي لم أعد أخاف من شيء، فقد كبرت وأصبحت شاباً». ويتمنى أن يعود ليلعب مع أخيه أحمد (5 سنوات) وباقي أطفال الحي.
يشار إلى أن تقارير دولية ذكرت أمس أن نحو 373000 طفل أصيبوا بالتجربة الصادمة المباشرة، ويحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي لا يقل أهمية عن جهود الإعمار في غزة، كما لا يخفى أن عدد الجرحى الكبير وصل إلى أكثر من 9570 شخصا، من بينهم 2877 طفلا، وهو ما يمثل الثلث أيضا وفق وزارة الصحة.