غزة | تشاركت مدن قطاع غزة وبلداته القصة نفسها في واقع الدمار، وإن كانت مدينة رفح جنوب قطاع غزة أقل نصيباً في التغطية الإعلامية خلال الحرب بسبب القصف المكثف وبعد المدينة عن مراكز الإعلام. لكن المشهد تكرر من بيت حانون (شمال) حتى رفح. الدمار هو المعلم الأول ببصمة إسرائيلية والضحايا مدنيون، لكن تتغير الأسماء وتكثر، وخاصة في هذه المدينة التي شيعت 120 من أبنائها في أكبر جنازة خلال الحرب.


وفعل الاجتياح البري فعله في تجريف الأراضي على الحدود الشرقية لرفح، أي إن المزارعين لن يتمكنوا من حصاد 14 كرماً من كروم العنب عدا ثلاثة قطوف صغيرة هموا بتناولها بدلاً من التفكير ببيعها، وهم يقولون: «أحسن من البلاش».
في منطقة الشوكة شرق رفح، أو أرض «اليهودية» كما يطلق عليها أهالي المنطقة، هجر الاحتلال الناس أسوة بغيرهم من سكان الحدود في خزاعة والشجاعية وبيت حانون، فنزحوا إلى مدارس الإيواء في مركز المدينة. ما إن سمعوا بالتهدئة حتى بدؤوا يتوافدون على أراضيهم وبيوتهم لتفقدها. وإن لم تكن بيوتهم قد نالت أضراراً كبيرة، فإن أراضيهم الزراعية أتلفت نهائياً ولم تعد صالحة للزراعة بعد استهدافها بالطائرات الحربية واشتعال النيران في الأشجار.
محمد العمور (33 عاماً) جاء إلى كرمه ليتفقده، فلم يجد منه سوى بقايا شجيرات عنب بعد أن كان كرمه المكون من 14 دونماً مفعماً بالحيوية، واليوم أصبحت أرضه بوراً لا تصلح للزراعة، كذلك لا يمكنه البناء عليها لأنها تقع في مكان حدودي يخشى الناس السكن فيه، وخاصة بعد تكرار الحروب.
يقول العمور لـ«الأخبار»: «هذه المنطقة مفتوحة ولا يمكن أحداً أن يجازف بحياته ويشتريها، لذلك ثمنها رخيص جداً، فما بالك الآن وهي لم تعد صالحة للزراعة أيضاً؟».
من الأراضي الشرقية إلى بلدية الشوكة غرباً التي استهدفتها الطائرات الحربية فدمرتها كلياً، حيث يذكر المهندسون في البلدية أن الدمار شمل مرافق البلدية كافة. هنا يستنكر المهندس عادل العمور العامل في البلدية استهداف «مقار خدماتية للمواطنين بما يخالف القانون الدولي، لكن جل ما تريده إسرائيل تدمير البنية التحتية للفلسطينيين».
أما مدرسة ذكور رفح الإعدادية، فكان لها الحظ الأكبر في عدد الشهداء الأطفال داخل باحتها بعد استهدافها بصاروخ من طائرة استطلاع على الباب الخارجي للمدرسة في الوقت الذي كان يلعب فيه الأطفال في الساحة، فقضى منهم 10 شهداء بعد إصابتهم بشظايا الصاروخ الذي أحدث انفجاراً كبيراً في المكان، كما أصيب أكثر من 150 جلهم بالحروق والبتر.
حسنة الكاشف (24 عاماً) غالباً تلقي نفسها على بلاط الفصل الذي تعيش فيه داخل المدرسة، وتظل تبكي بحرقة على طفلها صقر (8 سنوات) الذي استشهد في مجزرة المدرسة. تحاول رفيقاتها في الغرفة مواساتها، لكنها لا تزال ترفض المغادرة والعودة إلى بيتها برغم أنه لم يدمر، «لكن رائحة ابني لا تزال هنا في المدرسة»، تقول لـ«الأخبار». وتضيف: «شعرت بأنني لن أخرج من هذه المدرسة إلا وأكون قد فقدت أحد أطفالي الأربعة». وكانت هذه المرأة قد هربت بأطفالها الأربعة من المناطق الشرقية خوفاً عليهم من مجازر ترتكب بحقهم كما حدث في الشجاعية وخزاعة وبيت حانون، لكنها هربت من مجزرة خافت منها في بيتها إلى مجزرة في المكان الوحيد الذي ظنت أنه آمن.
أما شهادة عبد الحليم البياري (28عاماً) الذي أصيب في مجزرة المدرسة فلم تختلف عن غيره، لكنه أشار إلى أن الجرحى جل حالاتهم ما بين المتوسطة والخطيرة «لكن ذلك لم يشفع لهم أن يبقوا في المستشفى بسبب النقص في غرف المبيت هناك». ويواصل حديثه: «حتى الشهداء بقوا في ثلاجات الخضراوات والبوظة بعدما تكدست ثلاجات المستشفى بهم... لم نتوقع أن ننجوا من هذه المجزرة، وخاصة أنها كانت في آخر يومين من الحرب قبل التهدئة».
ولعل سوء حظ الجيران الذين يعيشون قرب المركز التجاري في قلب رفح هو ما أسهم في ارتفاع عدد الشهداء بعد استهداف المركز بأربعة صواريخ من طائرة أف 16، واستهدفت الطوابق العليا ما نتج منها استشهاد أكثر من 10 أشخاص. وعلى الصعيد اليومي للحياة قد يبدو أن الأمور في رفح أقل سوءاً، مقارنة بالمناطق الأخرى، كما يحاول المواطنون استعادة حياتهم الطبيعية، ولسان حالهم أن اليوم الثاني للهدنة هو عيد لهم بعد أن حرموا العيد الأول.