دولة العدو لا تزال تكابر. تحاول تحاشي الاعتراف بالهزيمة، على الرغم من إدراك القيادة الإسرائيلية أن جميع الأوراق قد خرجت من يدها، وأن الرهان الوحيد الذي لا تزال تملكه هو على النظام المصري الذي يتولى عملية التفاوض مع الفلسطينيين، علّه يستطيع خفض سقف مطالب المقاومة وتحجيم قدراتها العسكرية والحد من تزويدها بالأسلحة المتطورة، وإن كان أملها أن ينجح في مقايضة غزة بإعادة الإعمار في مقابل نزع السلاح.


ولعل من أهم العوارض الجانبية لهذا العدوان، إدراك الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل الحاجة إلى إعادة تعويم السلطة الفلسطينية، وجعلها مجدداً شريكاً يمكن التعامل معه. وربما فسّر هذا دعوة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى استئناف عملية السلام مع ما تحمله من رغبة مبطنة بتقديم قطعة حلوة إلى السلطة تعيد إليها الحياة.
وبات واضحاً أن المواقف المتطرفة السابقة ضد حكومة المصالحة، وضعت بنيامين نتنياهو في معضلة. من جهة، أي طرح بديل للسلطة على معبر رفح لا يملك قابلية التحقق في هذه المرحلة، في المقابل، يشكل خيار الرهان على دور قوات السلطة برئاسة محمود عباس، بعد تشكيل حكومة المصالحة، انقلاباً على الخطاب السياسي الدعائي الذي رفع لواءه نتنياهو.
المعضلة التي تواجهها حكومة نتنياهو، تجلت في جلسة المجلس الوزاري المصغر، الذي بحث لساعات طويلة مطالب اسرائيل في اتفاق وقف النار، وخاصة أنه بحسب الاقتراح المصري الذي تجري بلورته في القاهرة، ينبغي أن تتولى السلطة الفلسطينية المسؤولية عن المعابر وعن اعادة اعمار غزة، في اطار حكومة الوفاق الوطني. نتيجة ذلك، برز خلاف داخل المجلس حول الموقف من الحل الذي تقدمه مصر. وعبّر عدد من الوزراء، وعلى رأسهم وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، عن معارضتهم بشدة اقتراح تسليم المعابر لأجهزة الأمن الفلسطينية. في المقابل، يرى آخرون أنه لا يوجد اي جهة دولية، باستثناء السلطة الفلسطينية، مستعدة لهذه المهمة، فضلاً عن أن «حماس» لن توافق على دخول اي قوة اخرى الى قطاع غزة.
وحول ذلك، رأى وزير العلوم يعقوب بيري، انه «لا يوجد خيار اخر، سوى الحوار اذا توجهنا الى التسوية». وعلى ذلك، ينبغي لإسرائيل أن تصر على أن تكون السلطة الفلسطينية هي التي تدير معبر رفح. واضاف ان اسرائيل «ستدخل الى محور الدول المعتدلة» في المنطقة، الامر الذي يتطلب استئناف العملية السياسية مع السلطة الفلسطينية وتسوية شاملة بعيدة المدى، لافتاً الى ان «إسرائيل لا تستطيع العيش لمدة طويلة، الى جانب تنظيم ارهابي دون هذه التسوية».


ارتفع منسوب
الاهتمام الاسرائيلي بضرورة الاستعداد لامكانية تحقيق دولي


الى ذلك، ارتفع منسوب الاهتمام الاسرائيلي بضرورة الاستعداد لامكانية تحقيق دولي بالجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال، والتي يقدرون في اسرائيل أنها قد تكون أسرع من المتوقع. نتيجة ذلك، قدمت وزارة الخارجية الاسرائيلية، بعد سلسلة من المشاورات، توصيات للمستوى السياسي تتضمن عدم التعاون مع لجنة التحقيق في الحرب على غزة.
وقالت مصادر عبرية إن الجيش الإسرائيلي سرح أمس 30 ألف جندي احتياط من ضمن مَن استُدعوا لشن الحرب على غزة.
أما على مستوى المفاوضات الدائرة في القاهرة، فقد كشف مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى عن أن دولة العدو وافقت على تمديد الهدنة المعلنة بين الطرفين والتي تنتهي صباح يوم غد الجمعة، في وقت أعلنت فيه وزارة الخارجية الأميركية عن توجه المبعوث الأميركي فرانك لونستين الى القاهرة لمحاولة المساعدة في محادثات التهدئة.
في المقابل، أكَّد عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، عزت الرشق، أن الوفد الفلسطيني للحوار في القاهرة، لم يتلق رداً رسمياً من الاحتلال على المطالب التي تقدم بها إلى الجانب المصري. وقال إن الوفد المصري سيعرض مطالب القوى الفلسطينية على الإسرائيليين للتفاوض معها، مشدداً على تمسك الوفد بالمطالب كافة التي قدمها، والتي تتمثل في رفع الحصار، والإفراج عن الأسرى، وإقامة الميناء البحري والجوي، وفتح ممر بين الضفة وغزة.
وتابع: «المقاومة جاهزة ويدها على الزناد للعودة إلى القتال».
ونقلت وكالة «الأناضول» عن مصدر قيادي في كتائب عز الدين القسام تأكيده أن تمديد التهدئة مع إسرائيل، مرتبط بوجود تقدم حقيقي في مفاوضات القاهرة. وأضاف أن «المقاومة الفلسطينية تصر على الاستجابة لشروط المقاومة وأبرزها إنشاء ميناء بحري، ومطار، وإعادة إعمار قطاع غزة».
وكان لافتاً تأكيد عضو المكتب السياسي لـ«حماس» موسى أبو مرزوق، المقيم في القاهرة، لـ«نيويورك تايمز»، أن ألوية الحركة «منفصلة عن بعضها بشكل تام»، مشدّداً على استقلالية كتائب «عز الدين القسام». وقال إنه «في الوقت الذي وضعت فيه حركة حماس نفسها تحت قيادة الحكومة الجديدة واستمر قادتها السياسيون في الحديث ووضع السياسة للجناح العسكري، فإن مقاتلي القسام سيظلون خارج سيطرة الحكومة الجديدة».
وأشار إلى أن مراقبة مصر لاتصالاته قد حدّت من تواصله مع أشخاص آخرين من حركة «حماس». وقال: «لقد أرسلت رسالة إلى شعبنا في غزة، وتمّ نقل هذه الرسالة إلى القسام الذين ردّوا بأوكي، ثمّ توقفوا عن إطلاق النار». وأضاف: «إنهم يستمعون إلي لأنني أحد الأشخاص الذين يشغلون منصباً سياسياً»، مضيفاً: «إنها منظمة واحدة بجناحين أو قسمين».
وتحدثت مصادر أمنية مصرية مسؤولة عن تململ مصري من «إصرار حماس على إقحام قطر وتركيا في المباحثات، ما يعني الخشية من تعرقلها». ونقلت عن رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء محمد التهامي، تأكيده للفلسطينيين أن بلاده «لن تسمح بتدويل قضية قطاع غزة، أو سيطرة الأمم المتحدة على الوضع الإداري هناك، وعليكم أن تقولوا لمن يحاول إحباط المفاوضات أن صبر الدولة المصرية بدأ ينفد، وعليكم أن تتحملوا المسؤلية في وفاة 1900 شهيد، لكننا لن نقبل الضغط علينا»، وذلك خلال الجلسة الثانية التي عقدها معهم وضمت كلاً من عضو المجلس الثوري فيصل أبو شهلا، ومن حماس زياد الظاظا، وخليل الحية، ومن حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش وكانوا قد وصلوا من قطاع غزة عبر معبر رفح في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس بعد مطالبة مصر الجانب الإسرائيلي بذلك.
في السياق، أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي أن وفداً وزارياً عربياً سيزور خلال الأيام المقبلة غزة للتعرف إلى حقيقة الأوضاع ودراسة احتياجاتها الإنسانية ومجال إعادة الإعمار.
وقال العربي أمس إن الوفد الوزاري سيضم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الصباح، ممثلاً لرئيس القمة العربية، ووزير خارجية المغرب صلاح الدين مزوار رئيس الدورة الحالية لمجلس الجامعة، ووزير خارجية مصر سامح شكري، ووزير خارجية الأردن ناصر جودة، بالإضافة إلى الأمين العام للجامعة العربية ومن يرغب في الانضمام إلى الوفد من الوزراء العرب.