لم يكن ممكناً تأكيد المعلومات التي تواترت عن اشتباكات وقعت بين مسلحي «جبهة النصرة» و«داعش» في عرسال، بسبب الخلاف على قرار الانسحاب من البلدة في اتجاه جرود السلسلة الشرقية، إلا أن ما بدا مؤكداً أن مسلحي «النصرة» وكتائب وألوية أخرى من المعارضة السورية، غادروا عرسال، فيما بقي مسلحو «داعش» متمركزين في العديد من الأحياء والمنازل والمساجد، بحسب ما أكد عراسلة تواصلت معهم «الأخبار».


فبعد الحديث عن هدنة لـ 24 ساعة بوساطة هيئة العلماء المسلمين تبدأ عند السابعة من مساء الثلاثاء ــــ الأربعاء، نشبت اشتباكات عنيفة على سائر محاور عرسال الغربية، عند محلة رأس السرج وسرج حسان، ومن الجهة الجنوبية ــــ الشرقية عند عقبة الجرد ووادي سويد، وسط تسارع في حركة آليات «جبهة النصرة» و«لواء أحرار القلمون» في اتجاه الأحياء الجنوبية الغربية. وعلمت «الأخبار» أن المسلحين المنسحبين اختاروا محوراً محدداً للخروج عبر محلة وادي الحصن ــــ عقبة المبيضة، لكونها أوسع جغرافياً وأكثر أماناً، نظراً إلى المسافة الشاسعة التي تفصل بين نقطتي الجيش في وادي حميد (الجهة الشمالية الشرقية) وعين عطا (الجهة الجنوبية الشرقية).
ولكن، لدى وصول المسلحين إلى خارج الدائرة الجغرافية للجيش، شرعوا في إطلاق النار من محمولات أسلحة متوسطة في اتجاه نقطة الجيش في عين عطا، الذي رد على مصدر النيران بقصف مدفعي.
الاشتباكات العنيفة التي دارت على محاور رأس السرج ووادي الرعيان استمرت حتى ما بعد منتصف الليل، ليسود بعدها هدوء حذر استمر حتى صباح امس، تخللته مناوشات محدودة لجهة وادي الرعيان، ومحور راس السرج ــــ المهنية.


قتل المسلحون
فتى وأصابوا والدته وشقيقه أثناء
محاولتهم النزوح


عرسال التي استيقظت على هدوء في شوارعها وأحيائها وأخبار انسحاب عدد كبير من المسلحين، لم تكتمل فرحتها طويلاً، إذ سرعان ما فجعت بمصرع الفتى بلال عبدو عز الدين، وإصابة والدته من آل عودة وشقيقه الأصغر، برصاص المسلحين الذين استهدفوا سيارة والدهم أثناء محاولتهم النزوح خارج بلدة عرسال. وقد نقلت جثة الفتى وأفراد العائلة الجرحى إلى مستشفى دار الأمل الجامعي في دورس ــــ بعلبك. وأكد عراسلة لـ «الأخبار» أن المسلحين سرقوا أثناء انسحابهم نحو 150 سيارة دفع رباعي، وحاولوا سرقة سيارات في أحياء أخرى، لكن تصدي الأهالي لهم بالأسلحة منعهم من ذلك. وقال هؤلاء إن حركة المسلحين في ساحة البلدة وشوارعها «تقلصت على نحو كبير»، ما دفع عدداً من الأهالي إلى الخروج من منازلهم وتفقد جيرانهم وأقربائهم وأرزاقهم»، لكنهم أشاروا الى أن عدداً كبيراً من المسلحين لا يزالون في البلدة ويجولون في شوارعها رافعين أعلام «الدولة الإسلامية».
الحديث عن هدنة ثالثة عاد أمس مع دخول وفد جديد من هيئة العلماء المسلمين البلدة صباحاً برئاسة الشيخ سميح عز الدين، وبمواكبة عسكرية إلى حدود منطقة رأس السرج. وعقد اجتماع، بحسب مصادر عرسالية، بين الوفد ومسلحين، وجرى الاتفاق على «إنهاء المظاهر المسلحة في البلدة، وانسحاب المسلحين إلى الجرود في مقابل عدم مساس أبناء عرسال بالنازحين السوريين في المخيمات، كما اتفق على عدم المساس بالعسكريين المخطوفين، على أن يجري الاتفاق في وقت لاحق على إطلاقهم، فيما أطلق ثلاثة عسكريين، اثنان منهم من بلدة عرسال بقيا فيها، بينما رافق العسكري الثالث (من الضنية) أعضاء الوفد إلى مكتب استخبارات الجيش في رأس بعلبك، ومن ثم غادر معهم.
في المؤتمر الصحافي الذي عقد أمام منزل مختار عرسال حسن الأطرش في رأس بعلبك، بالقرب من مكتب استخبارات الجيش، أكد مفتي بعلبك ــــ الهرمل أيمن الرفاعي أن «مفاوضات شاقة خاضها الوفد المصغر، إلى أن توصل إلى حلحلة للقضية»، ومن بنودها «إطلاق بعض الجنود وانسحاب المسلحين، على أن تبدأ الهدنة من السابعة من مساء اليوم (أمس) حتى السابعة من مساء الغد (اليوم)، على أن تبدأ غداً (اليوم) مرحلة مفاوضات جديدة تترافق مع مساعدات إغاثية». وأكد أن كل «الأسرى على قيد الحياة، وهم 17 دركياً، وعشرة من عناصر الجيش»، كاشفاً أن بعض «الأخبار المتسرعة» التي تناقلتها مواقع إخبارية، «عقّدت الأمور ومنعت الافراج عن عدد أكبر من الأسرى». عضو الوفد الشيخ حسان الغالي، أكد من جهته بنود الهدنة التي تنص على «تمديد الهدنة، على أن يبدأ المسلحون من كافة الفصائل بالانسحاب من عرسال». وعن الضمانة بانسحاب كافة الفصائل المسلحة، أجاب إن «المسلحين المفاوضين تعهّدوا أن باستطاعتهم أن يفرضوا على كل الفصائل المغادرة».
إلا أن الهدنة الثالثة لم تكن الثابتة على ما بدا خلال الدقائق القليلة التي تلت المؤتمر الصحافي، إذ سرعان ما انهارت كما سابقاتها. وأكدت مصادر في عرسال حصول «عملية تسلل للمسلحين عند محلة الطلعة في وادي عطا، ومحاولة لنصب مدفع فيها، ما استدعى تدخلاً سريعاً من الجيش بقصف مدفعي، أصاب موقع المسلحين مباشرة». وإثر ذلك نشبت اشتباكات عنيفة عند محور رأس السرج ــــ سرج حسان، حاول خلالها المسلحون السيطرة على مواقع كان الجيش قد سيطر عليها خلال الأيام الماضية.
يذكر أن «اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان»، أطلق حملة «قافلة إغاثية» إلى بلدة عرسال، تضمنت حمولة 12 شاحنة من الأغذية. القافلة ولدى وصولها إلى ساحة بلدة اللبوة اعترضها عدد من الشبان من أقارب وأهالي عدد من الأمنيين المحتجزين لدى المسلحين في عرسال، ومنعوا القافلة من إكمال طريقها، مؤكدين أنهم لن يسمحوا بمرور مساعدات إلى المسلحين الذين يستبيحون عرسال. وأكد رئيس بلدية اللبوة رامز أمهز «أننا كسلطة محلية لم نتمكن والجيش من فتح الطريق امام القافلة»، موضحاً أن «أكثر من 3000 عائلة عرسالية نزحت إلى قرى العين واللبوة والفاكهة، وهم أحق بها من المسلحين».