بدأت تجربة سعدي يوسف وتطورت ونضجت واكتملت من دون أن يسعى صاحبها إلى أن يوصف بـ «الشاعر الكبير». سعدي يوسف شاعر كبير طبعاً، ولكن هذا التوصيف ينطبق على التجريب الحيّ الذي رافق رحلته الطويلة في الكتابة. التجريب الذي منح الشاعر العراقي نوعاً من الشباب الدائم، وأمّن له إقامة مستمرة في الشعر الذي كتبه مجايلوه من الرواد، وفي الشعر الذي كتبته الأجيال التالية أيضاً. إنه – بهذا المعنى – صديقٌ «كبير» لما كتبه الشعراء العرب في العقود الماضية، وصاحب ورشة شعرية استحق أن يحظى بتطويبٍ حقيقي وخافت وملموس مثل قصيدته الحقيقية والخافتة والملموسة. قصيدة يفضّل صاحب «قصائد أقل صمتاً» (1979) أن يسميها «قصيدة مادية» مكتوبة بلغة محسوسة وجزيئية تتجنّب التهويم البلاغي والتفجع العاطفي. صحيحٌ أن هذه القصيدة لا تخلو من الغنائية، لكن سرديتها تُذيب الغناء (المنخفض الأداء أصلاً) وتدفنه في طيات المعجم الواقعي ومفرداته العادية. لقد ذهب سعدي يوسف منذ بداياته إلى تفعيلة قلقة ومجزوءة وتأملية خلّصته بسرعة من «إرهاب» الوزن التقليدي، وسهّلت له الوصول لاحقاً إلى نبرة إيقاعية تكاد تكون بلا وزن تقريباً. والأهم أنها نجَّته من التوصيفات المتورّمة التي سادت في حداثة الرواد، والتي كانت نبوة الشاعر والعوالم الأسطورية والرؤى الكليّة رهاناتٍ جوهرية فيها.


عاصر سعدي السياب وكانا معاً في الحزب الشيوعي العراقي، ونشرت مجلة «شعر» قصيدة له في عددها الأول عام 1957، وتربت قصائده المبكرة في بحور الشعر العمودي، وفي قصيدة التفعيلة الناشئة لتوّها لدى روادها العراقيين، لكنه بدا كمن يضع قدماً في معجم الحداثة الطالعة، وقدماً أخرى في ما ستقترحه لاحقاً قصيدة النثر. كان هناك مزج مبكر بين إيقاعٍ لا يتعالى أصلاً على المعاني التي تتألف في داخله، وبين رغبة في السرد والاسترسال والتصوير والتأمل. مزيجٌ راح منسوبه الإيقاعي يتضاءل لصالح حضور السرد والنثر. وبدا أن الشاعر يلعب على الثغرات المتوفرة في تعاقده مع الوزن إلى أن تحول ذلك إلى أسلوب شخصي وفن خاص. مزيجٌ منخفض النبرة ومنجزٌ بمفردات وحواس «الإنسان الصغير»، بحسب تسمية متقَنَة للناقد السوري محمد جمال باروت. مزيجٌ جعل الشاعر مواطناً شعرياً بدل أن يكون نبياً أو زعيماً. مزيجٌ تخفف فيه الإيقاع إلى درجة أننا رحنا نقرأ شعر سعدي من دون أن ننتبه إلى أنه مدينٌ للتفعيلات في تأليفه. مزيجٌ امتدحه الراحل محمود درويش لاحقاً حين كتب: «منذ قرأت شعر سعدي يوسف، صار هو الأقرب إلى ذائقتي الشعرية. في قصيدته الشفافة صفاء اللوحة المائية، وفي صوتها الخافت إيقاع الحياة اليومية. وقد أجازف بالظنّ أنه، ومن دون أن يكتب قصيدة النثر السائدة اليوم، أحد الذين أصبحوا من ملهميها الكبار، فهي تتحرك في المناخ التعبيري الذي أشاعه شعر سعدي في الذائقة الجمالية، منذ أتقن فنّ المزج بين الغنائية والسردية». الغناء (الخافت طبعاً) والسردية والنظر إلى العالم بالحواس العادية، كل ذلك جعل شعر سعدي يوسف مكتوباً بـ «لغة مادية»، كما يسميها هو، مشيراً إلى أن جزءاً أساسياً من تحقق هذه اللغة عائد لاستخدامه «لغة تعتمد على الاسم الجامد وعلى الفعل، وتتحاشى استعمال المصدر». وصفة معجمية بسيطة مثل هذه تشير إلى ممارسات واشتغالات وإصغاءات داخلية متعددة وعميقة تحدث في هذا الشعر قبل أن يصل إلينا. وصفة تشرح لنا على الأقل لماذا تبدو هذه اللغة نثرية أو ذاهبة إلى النثر المدسوس في قلب الإيقاع.
الشاعر الذي بدأ بباكورة صغيرة بعنوان «القرصان» (1952)، وضمت أبياتاً مكتوبة بقوافٍ متعددة، ثم خلط الأبيات مع تفعيلات حرة في مجموعته الثانية «أغنيات ليست للآخرين» (1955)، لم تؤخِّره الأوزان عن الاهتداء إلى معجم تحظى مفرداته بقدر من التأمل والبطء اللذين يجعلان الجملة الشعرية أقل ضجيجاً، وأكثر تفصيلاً، وأشد عناية بالمشاهد المرئية وجزئياتها المهملة. معجمٌ سيحضر كاملاً في عنوان مجموعته الخامسة «قصائد مرئية» (1965)، حيث المرئي كان يعني أن تكون القصيدة ملموسة أكثر ومؤلفة من فكرة يمكن سردها من دون تهويم أو لغوٍ مجاني، وأن تكون حصيلة تجربة شخصية واضحة أيضاً، وليست مدينةً لدندنات الإيقاع البليدة وسيولته الهذيانية.


منذ بداياته ذهب إلى تفعيلة قلقة ومجزوءة وتأملية خلّصته من «إرهاب» الوزن التقليدي


عاصر السياب وكانا معاً في الحزب الشيوعي العراقي، ونشرت مجلة «شعر» قصيدة له في عددها الأول عام 1957
ثم حضر هذا المسعى في استهلال مجموعته «نهايات الشمال الأفريقي» (1972) بمقطع للشاعر اليوناني سيفيريس يبدو كتلخيص كثيف لطموحات سعدي: «لا أريد أكثر من أن أتحدث ببساطة/ وأن أُمنحَ هذا المجد/ فلقد أثقلنا أغنيتنا بالكثير من الموسيقى/ حتى بدأت تغرق تدريجاً/ ووشّينا فنَّنا بالكثير/ حتى ذهبَ الذهبُ بقسماته/ لقد حان الوقت لنقول كلماتنا القليلة». لقد تشفّت قصيدة سعدي يوسف من ديوان إلى آخر، وتخلت عن «التوشية» الزائدة التي تفسد القصيدة، وعن الموسيقى العالية التي تفسد سكينة القصيدة وحركة معانيها في الأعماق. لقد عثرت قصيدته على نفسها وعلى سيناريوهاتها وسياقاتها المستقبلية أيضاً. قصيدة «الشيوعي الأخير» كما يسمي نفسه، كانت قصيدة مستقبلية أصلاً. ولعل خلوّها المبكر من المغالاة الميتافيزيقية والميوعة الوجدانية والتفلسف الرؤيوي كان انطباعاً مرسلاً إلى المستقبل بقدر ما كان شهادة على حاضرٍ جرّب الشاعر أن يكتبه بطريقة مختلفة حينذاك.
سعدي يوسف – كما نزار قباني وصلاح عبد الصبور ومحمد الماغوط – اشتغل على معجم صريح وعلى استعاراتٍ وصور وعوالم مصنوعة من هذه الصراحة التي تسري على اللغة وعلى المخيلة وعلى الحدث الحياتي وعلى الموقف السياسي أيضاً. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يجد شعراء الأجيال التالية في شعر سعدي أفقاً لتجاربهم. ولو عدنا إلى ما كُتب من شعر عربي منذ نهاية السبعينيات إلى اليوم، لوجدنا أن الكثير من التجارب تدين، بشكل مباشر أو غير مباشر، لقصيدته. ولعلنا لا نبالغ كثيراً لو أعدنا جزءاً كبيراً من إنتاج محمود درويش في سنواته العشرين الأخيرة إلى استثمارات شديدة الذكاء والابتكار في تجربة سعدي يوسف، كما أنّنا نجد آثاراً مماثلة ومتنوعة في نتاج عدد من أهم شعراء السبعينيات العرب. ويمكن اقتفاء هذه الآثار بسهولة في أعمال: أمجد ناصر، وزكريا محمد، وغسان زقطان، ورياض الصالح الحسين، إلى جانب عشرات الأسماء الشعرية العراقية. صحيح أنّ العديد من هؤلاء حوّلوا تأثيرات سعدي إلى إنجازات فردية وخاصة، إلا أن بصمات صاحب «جنة المنسيّات» لا تزال واضحة في أصواتهم. علاوة على ذلك، فإن معظم ما كُتب ويُكتب مما سُميّ بالشعر اليومي، أو قصيدة التفاصيل... يجد جذوراً ومذاقات وروائح في لغة سعدي التي تميل إلى الدقة والتوثيق الواقعي، والإيماءات البصرية، وتأمل الأمكنة والجمادات وحركة الحياة وتفاصيلها العابرة. وهذه مناسبة لنقول إن قصيدة سعدي يوسف التي تكاد تكون شفوية ومحكية، هي قصيدة فصيحة أيضاً. إنها ابنة كلاسيكيات شعرية عريقة، ولذلك فهو يجد للغته المحسوسة والمادية واليومية علاقةً متينة تربطها مع لغة امرئ القيس الذي يحضر، مع شعراء آخرين من العصر الجاهلي والعباسي مثلاً، في أكثر من قصيدة له، إلى درجة أنه ظهر في عنوان مجموعة كاملة حملت عنوان «حفيد امرئ القيس» (2006).
ولكنّ صاحب «النبرة الخافتة في الشعر العربي الحديث»، بحسب عنوان كتاب أنجزته الناقدة العراقية فاطمة المحسن عنه، لا يقيم في الخفوت دوماً، بل إنه أثار سجالات كثيرة في مواقفه التي حضرت في شعره أو في مقالاته وتصريحاته، وخصوصاً في ما يخص العراق بعد الاحتلال الأميركي، ومؤخراً في انتقاده الساخر لما سُمّي بالربيع العربي. «في فترة التحولات الكبرى، أو ما تبدو تحولات كبرى، لا يتخلى الشاعر عن المسؤولية العامة، فيدخل المعمعمة بالصوت العالي، وبجماليات مختلفة»، يقول الشاعر في واحد من حواراته الأخيرة. إنه «الشيوعي الأخير» كما يصف نفسه في ديوان كامل. شيوعي على طريقته، وعراقيٌ على طريقته أيضاً، ولم يفصل يوماً بين ممارسته الشعرية ومواقفه السياسية. جزءٌ كبير من شعر سعدي يمكن أن يُقرأ كسيرة ذاتية، أو شذرات من حياته التي انتقلت إلى قصيدته لأنها مهيَّأة أصلاً لاستقبال حياة شخصية تحدث داخل نثريات الحياة اليومية. كما أن الشاعر نفسه حوّل إقاماته المتعددة في المنافي العربية والأجنبية إلى مادة شعرية، وبرع في استدراج التفاصيل والمشهديات المستجدة إلى فضاء قصيدته التي باتت قصيرة ومضغوطة في العقدين الأخيرين، وغالباً ما تنتهي بقفلة أو خاتمة تضيء السطور التي تتألف منها القصيدة. القصيدة ذاتها التي تنقل خبرة الشاعر ودهشته وعزلته وهواجسه ورغباته ومواقفه الإيديولوجية، بينما تتوالى في أسفلها أسماء مدن مثل دمشق وبيروت وعمان وطنجة وعدن وتونس وباتنة وسيدي بلعباس ولندن ونيويورك وباريس ونيقوسيا وموسكو. ولكن ذلك كله كان محكوماً بانطباعاتٍ ورؤى سياسية، وكانت تلك المدن والفضاءات مساحةً لمزج المشهديات والأفكار والموضوعات الحاضرة فيها بذكريات وحيوات سابقة في مسقط رأسه في قرية «حمدان» جنوب العراق، أو في البصرة التي درس فيها فترة قبل انتقاله إلى بغداد، كما أن تغريبته الطويلة في المنافي جعلت مدناً وأمزجةً ومشهدياتٍ عديدة تختلط في قصيدة واحدة أحياناً، بل إن خصص ديواناً كاملاً لطنجة المغربية مثلاً. ولا ننسى في هذا السياق ترجماته الشعرية التي كأن أغلبها تجارب أحبها أو أراد أن يكتبها، وهو ما يمكن معاينته في تأثيرات قوية من ريتسوس ولوركا وكافافيس مثلاً. ولعل الترجمة نفسها كشفت له كيف أن النصوص التي فيها بلاغة وجماليات وإيقاعات عالية تفقد الكثير أثناء انتقالها إلى لغاتٍ أخرى، وهو ما استثمره في شعره وخصوصاً في دواوينه الأخيرة المكتوبة بلغة مسننة ومادية «لا تفقد قيمتها الأساسية في اللغات الأخرى»، بحسب تعبيره هو.
لقد وصل سعدي يوسف إلى عامه الثمانين، وها هي أعماله الشعرية الكاملة تصدر في سبعة مجلدات، بينما قصيدته نفسها لا تزال تحتفظ بعافيتها وحيويتها من جهة، وبانخراطها في ما يكتب اليوم من شعر راهن من جهة أخرى. لقد بلغ الشاعر الثمانين، ولكنه لا يزال «شاعراً شاباً».