لا يشبه سعدي يوسف اليوم، صورته في الأمس، فما بين « الأخضر بن يوسف»، و» الشيوعي الأخير» عبرت مياه كثيرة، ما وضع قصيدته محل سجال صاخب. الشاعر الذي ألقى بظلاله على تجارب شعرية عربية كثيرة، لجأ في تجاربه الأخيرة إلى معجم آخر، يكاد يخلو من البريق لانخراطه في اليومي المباشر، وتالياً صعوبة التقاط ايقاعه، ما يجعلنا ننكفئ إلى رصيده القديم بشغفٍ أكبر.


نحن أبناء» الليالي كلها»، و» تحت جدارية فائق حسن»، و»خذ وردة الثلج، خذ القيروانية»، و»جنّة المنسيات». ربما كان علينا أن نفحص تحولاته الأخيرة بمبضع آخر كي نكتشف رحيقها السرّي، وملمس عشبها اللامرئي، ونبرتها المختلفة. لكن غزارة الشاعر في سنواته الأخيرة، لم تتح لنا مثل هذه الفضيلة النقدية، إذ اشتبكت قصيدته بكل ما يصادفها في الطريق بارتجالات تمليها لحظة الكتابة، في المقام الأول، بالإضافة إلى انخراط الشاعر في الكتابة اليومية على موقعه في الانترنت، أو في صفحته الشخصية على فايسبوك، بما يعيشه أو يقلقه أو يشغله من تحوّلات في الخريطة العربية المشتعلة.
موقفه الهجائي من «الربيع العربي» وضعه في مرمى مكشوف للنيران، ودريئة للقنص. وبدلاً من فحص أبعاد هذا الموقف وأسبابه ومعطياته، وتالياً عزله عن رصيده الشعري، أطاح مناصرو الثورات بكل تاريخه، وتجرّأ شعراء ممن تربوا على منجزه الشعري على هجائه بجرعات زائدة، فيما خرج صبية طارئون من أزقة فايسبوك في حفلة شتائم ورجم وتخوين، من دون حتى أن يطّلعوا على شعره كما يجب. كان بإمكان سعدي يوسف أن يذهب إلى الضفة الأخرى، ويحمل الراية هاتفاً بما يرضي الجموع الثائرة، ويلتقط صوراً تذكارية في الساحات، لكنه آثر أن يعلن شكوكه من أزهار هذا الربيع الدموي، متهماً أميركا بصناعته، فكانت القيامة. أكليروس ثقافي أم حالة دهمائية أم مبارزات بسيوف خشبية، تلك التي لا تتوقف عن تحطيم كل ما لا يشبهها، من دون أن يكون لديها البلاغة البديلة، أو النص المشتهى.
ألا نحتاج في هذه اللحظة الفارقة لاختبار النصوص المتنافرة وإعلاء شأن التعددية بدلاً من نحر الرأي الآخر؟ لم يدافع سعدي يوسف عن الطغاة من أجل كيس من الدنانير، ولم يشارك في ولائمهم مرّةً واحدة، فهو المنفي الأبدي، والرائي، والمشّاء، وهو من أتاح لنا قراءة «بانتظار البرابرة» لكافافيس بالعربية، وكذلك لوركا، ووولت ويتمان، وريتسوس، وآخرين، وقبل كل ذلك، هو البستاني الذي شذّب الشعرية العربية من رنينها الفائض وأعشابها
الضّارة. الآن، علينا أن نتذكّر صورة الشاعر بالكاكي عائداً إلى دمشق من بيروت ما بعد الغزو الإسرائيلي (1982)، وأن نستعيد قصائد «مريم تأتي» التي كتبها تحت القصف، وأن نستعيد تلك الشفافية الأولى في «نهايات الشمال الأفريقي»، ونضع هجائيات الشاعر الانفعالية جانباً، ونحتفي بصدور أعماله الكاملة بما يليق بمنجزه المتفرّد، من دون ضغائن.