غزة| منذ اللحظة الأولى لانتهاء الحرب الثانية على غزة عام 2012 (عمود السحاب)، اهتمت فصائل المقاومة الفلسطينية بالتركيز عسكرياً على الناحيتين الكميّة والنوعيّة، وترافق ذلك مع خطوات لتحصين الجبهة الداخلية والحفاظ على تماسكها. وفي مراحل فاصلة، برزت النديّة على المستوى المعلوماتي والأمني، ما قلّل منسوب الخسائر لديها بصورة ملحوظة. وأمس مثلاً، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، نعيها نحو 120 مقاتلاً قضوا في خمسين يوماً، بل إن عدداً منهم استشهد وهو موجود في بيته خلال قصفه مع العائلة، أي خارج ساعات الخدمة.


حتى على مستوى الحرب النفسية الذي يحتاج النجاح فيه إلى العمل وفق علوم عسكرية حديثة، عملت سرايا القدس عام 2012 على إرسال رسائل عبر الهواتف المحمولة إلى خمسة آلاف جندي وضابط إسرائيلي باللغة العبرية، ما شكل سابقة جديدة، وأيضاً سارت كتائب القسام (حماس) على النحو نفسه في هذه الحرب، لكن باستثمار الطاقة الصاروخية عبر دعوتها العلنية للاحتلال إلى تفعيل منظومة القبة الحديدية بأقصى طاقاتها، مع إعطاء موعد التاسعة مساءً لقصف عشرة صواريخ لم تستطع المنظومة، رغم الغطاء الجوي للطيران الحربي، منعها من الانطلاق أو إسقاطها كلها، علماً بأن الكتائب دعت وسائل الإعلام إلى تغطية هذا الحدث. لم تستطع المقاومة فعل كل ذلك إلا بإتقانها التخفّي البشري لعناصر المقاومة، والتمويه على مواقع إطلاق الصواريخ. هذا على كفّ ميزان، وعلى الكف الآخر كان التسلل خلف خطوط العدوّ مدعاة إلى قلق الجنود والمستوطنين من العمليات المفاجئة، وهو ما استفادت المقاومة منه في بث رسائل رعب أخرى. من هنا، يمكن البحث في كيفية انتقال المقاومة من الدور الدفاعي إلى آخر مبادر عبر 28 سنة من الانتفاضة والحروب.

الانتفاضتان الأولى والثانية

لم يكن التمايز في الانتفاضة الأولى (1987- 1993) واضحاً، لأن البيئة التي أطلقت شرارة الانتفاضة كانت شعبوية بحتة، ولم تتصل بحالة منظّمة تدير دفتها أي من حركات التحرّر الوطني بالدرجة الأساسية. تدرّجت هذه الانتفاضة في أداء الفعل المقاوم على ثلاث مراحل مركزية: الأولى مرحلة انتفاضة الحجارة، والثانية حرب العصابات والسكاكين، والثالثة العمليات الاستشهادية.
مع هذا العمل الفردي والجماعي، ارتقت فصائل المقاومة، وخاصة «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى وضع جديد من التكثيف الكميّ والنوعيّ للأعمال العسكرية. كانت الكتابة على الجدران في تلك الأيام جريمة يعاقب عليها الاحتلال، وشمل الجرم بالتأكيد عمل الفصائل والناس على المقاومة بالحجارة والمقلاع والزجاجات الحارقة حتى السلاح الأبيض. رغم الهوّة الكبيرة بين أسلحة المقاومة والاحتلال، فإن الفصائل تنبّهت إلى ضرورة تفعيل الذراع الإعلامية في موازاة المقاومة المحدودة، فخلق ملثّمو الفصائل ظاهرة الكتابة على الجدران لتوجيه رسائل تعبويّة إلى الشعب الفلسطيني وترسيخ الجدار النفسي الفاصل بينه وبين عدوّه.
أما الأجنحة العسكرية، فبدأت تبدع في حرب العصابات مع دقة إصابة الأهداف العسكرية على وجه التحديد، ما أسهم في استنزاف المكوّن البشري الأساسي في جيش الاحتلال الذي كان منتشراً في شوارع القطاع ومخيماته.
وكانت العمليات آنذاك تُدار على نحوٍّ فردي. ولمع نجم مدرسة عماد عقل العسكرية (حماس) ومحمد الصوري (سرايا القدس)، ثم بدأ استحداث وحدات هندسة خاصة بالمتفجّرات والأحزمة الناسفة ليدوّي معها زمن العمليات الاستشهادية الذي بقي مستمراً خلال الأعوام الأولى من الانتفاضة الثانية، قبل أن تفكّك السلطة الخلايا العسكرية للتنظيمات الفلسطينية في الضفة المحتلة، إضافة إلى رفع العدوّ منسوب الإجراءات الأمنية.
وتابعت المقاومة في الانتفاضة الثانية الاستمرار بنهج العمليات العسكرية والاستشهادية، لكن عملية السور الواقي التي نفذها جيش الاحتلال عام 2002 وبناء جدار الفصل العنصري عرقلا استكمال العمليات الاستشهادية، وأشارت عدة مصادر إلى أن إيقاف المقاومة لها جاء لأسباب داخلية لم تصرح بها.
هذا دفع المقاومة إلى العمل على تكوين قوة صاروخية بدأت من صواريخ محلية الصنع لم يتجاوز مداها 2-3 كلم، وصولاً إلى المواجهة الأخيرة (راجع العدد 2380). لكنها في المقابل أبدعت في عمليات اقتحام المستوطنات والمواقع العسكرية على الحدود مع القطاع حتى جاء الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، لتتجه المقاومة نحو ابتكار حرب الأنفاق التي حفرت أسفل المواقع الإسرائيلية لتفجيرها، وأيضاً بعض المحاولات لتنفيذ عمليات في البحر.
في المقابل، ظل الاحتلال ينفذ عمليات توغل برية واقتحامات لثلاثة أعوام متتالية، وواجهته الأذرع العسكرية بالقذائف المضادة للدروع والعبوات الناسفة، وأوقعت في صفوفه خسائر كثيرة، خاصة مع استطاعتها تفجير دبابات «الميركافاه»، وهي عملت أيضاً على توفير مخزون وافر من قذائف الهاون، وأخرى مضادة للدروع، وصنعت نماذج محلية لمضادات الدروع كـ«البنا» و«الياسين» و«البتار»، وبذلت جهداً مشابهاً في الاستغناء عن العبوات البرميلية (100 كجم)، وصولاً إلى عبوات صغيرة للأفراد والدروع.

حرب «الرصاص المصبوب»

كان عنصر المباغتة أهم ما ميّز حرب «الرصاص المصبوب» التي بدأت عملياتها (2008- 2009) بضرب المقارّ الأمنية والشرطية لحكومة غزّة السابقة، ولم تكن فصائل المقاومة، التي أرهقت من الاجتياحات المتواصلة، على درجة عالية من الجاهزية والتخطيط المنظّم في مواجهة العدوان.
إثر ذلك، عانت «القسام» و«السرايا» خللاً كبيراً على المستوى الأمني والعسكري، ولم يكن تقدير القيادة السياسية دقيقاً لمجريات التصعيد، ما ساعد على تحقيق السلاح الجوي، وهو الذراع الطويلة للعدو، أهدافاً كثيرة، واغتال قيادات مهمة من المقاومة سياسية وعسكرية وحتى حكومية، فضلاً عن الردع النسبي لقدرات المقاومة الصاروخية عبر استهداف منصات إطلاق الصواريخ وتعقّب مطلقيها واغتيالهم، وأيضاً تقليل نسبتها. أيضاً لم تكن الجبهة الداخلية الفلسطينية على قدر عالٍ من التماسك، إذ عمد الاحتلال إلى اختراق صفوف المقاومين وإحباط خططهم، وخصوصاً على صعيد المعركة البرية، فتوغّلت قواته في غرب بيت لاهيا وشرق جباليا (شمال)، وحي تل الهوا جنوب غزّة، من دون رد مُحكم من المقاومة، وأيضاً عمل الإسرائيلي على تقطيع القطاع إلى 3 أجزاء وفصل الإمداد الطبي بين المدن.
رغم ذلك، كشفت المقاومة ورقة جديدة في المجال الصاروخي، فقد تطوّر مدى الصواريخ، ووصل إلى أسدود وعسقلان وبئر السبع عبر استعمال صواريخ غراد روسية الصنع ذات مدى (20- 40 كلم).
حرب «عمود السماء»
في حرب الأيام الثمانية (عمود السحاب) التي كانت الأقصر بين حربين، فاستطاعت المقاومة أن تفاجئ العدو، وساعدها على الحل السياسي وجود الجماعة الأم لـ«حماس» (الإخوان المسلمون) في حكم مصر. وأيضاً كانت الإمدادات العسكرية من تحت الأرض تعمل بأعلى طاقتها.


عملت المقاومة
على تصغير حجم العبوات مع الحفاظ على تأثير قوي لها
هكذا كانت مسافة أربع سنوات كافية لتقوي المقاومة ذراعها وتطور مداها الصاروخي حتى مدى 75-80 كلم، كذلك حدّثت بنك أهداف مقابل، وإن لم يكن مدى الخطأ للصواريخ جيداً، لكنها استهدفت معنوياً مدناً مهمة في فلسطين المحتلة كالقدس وتل أبيب.
كل ذلك أسهم في إضعاف طاقة تحمّل الشارع الإسرائيلي الذي وجد نفسه في مرمى نيران المقاومة دون فعالية من القبة الحديدية كما في الحرب الأخيرة، وأيضاً برعت المقاومة في العمل على إطلاق الصواريخ عبر الأنفاق، وهو ما جعل جهاز الجو الإسرائيلي معطلاً إلا من قصف البيوت المدنية.
فضلاً عن ذلك، بنت فصائل المقاومة شبكة اتصالات خاصة على شاكلة شبكة اتصالات حزب الله، ما جعلها تدير المعركة بأمان، خلافاً لحرب «الرصاص المصبوب» . وما ساعد المقاومة على إحجام الإسرائيليين عن الدخول البري، هو كشفها وصول صواريخ مضادة للدروع والسفن الصغيرة (كورنيت) الروسية الصنع، إضافةً إلى منصات الإطلاق الثابتة والمتحرّكة للصواريخ بأنواعها. لكن من المهم الإشارة إلى أن الحرب بدأت باغتيال نائب قائد كتائب القسام، ما أعطى الإسرائيلي ورقة رابحة منذ بداية الحرب، الأمر الذي جعله يرفع عينيه عن إكمال العملية.

حرب «الجرف الصامد» (2014)

بعد سنتين، عملت المقاومة يوماً بيوم لتحييد تأثير سلاح الطيران الإسرائيلي، فمهدت لجعل الأنفاق الأرضية تهديداً حقيقياً للعقيدة القتالية لجيش العدو، كذلك صارت المدرعات هدفاً سهلاً للصواريخ الموجهة، وكذلك حال المشاة.
تقدمت المقاومة منذ اليوم الأول وقبل الدخول البري من أجل اختراق الروح المعنوية، وذلك بعدة عمليات خلف الحدود، وهو نتاج جهد كبير بدأ من رصد مواقع العدوّ وتقسيم أفراد وحدة النخبة القتالية في المهمة الواحدة إلى أكثر من مجموعة ثم الاشتباك من على مسافة صفر مع جنود الاحتلال، ما يوحي بتلقي أفراد هذه الوحدة تدريبات مكثّفة. فضلاً عن ترافق ذلك بتوثيق الحدث إعلامياً وإخضاع بعض لقطاته لتمويه بصري في عملية «المونتاج»، مثلما حدث في عملية الإنزال شرق الشجاعية عند موقع «ناحل عوز».
في النتيجة، صار سلاح المقاومة الإعلامي أشبه بمرجعية مصدقة عند الشارع الإسرائيلي تماماً كما كان مع حزب الله، وصار سلاح الجو مشكلة تكتيكية يمكن التغلب عليها عبر توظيف عنصري المبادرة والمناورة. حتى في التصدي البري وتفجير المدرعات وقنص الأفراد، لم يؤثّر القصف الجوي العنيف في الأداء القتالي، وإن كان قد أحدث دماراً هائلاً في العمق المدني الفلسطيني ومنشآته التحتية. ما ميّز هذه الحرب منع المقاومة الاحتلال من الاختراق في العمق، حتى وإن أعلن قادته أن عمليتهم محدودة، ما جعل التواصل بين مناطق القطاع ممكنة، وشمل التصدي البري تصدياً آخر موازياً على الشاطئ، وسجلت المقاومة للمرة الأولى رباطاً ورصداً موسعاً على خاصرة البحر.
إضافةً إلى ما سبق، نجحت فصائل المقاومة في تحويل جنود الاحتلال من صيادين إلى طرائد حينما أعلنت أن هدفها أسر أكبر عدد منهم. وحتى اللحظة صرحت «القسام» بأنها أسرت الجندي شاؤول آرون قبل مجزرة الشجاعية.
أمام هذا السرد للانتفاضة الحجارة وانتفاضة العمليات الاستشهادية وثلاث حروب متوالية، تبقى الفصائل كلها أمام مفترق طرق، فإما أن تعمل على إكمال الإعداد وتطوير قدراتها لتكشف مفاجآت جديدة في أي مواجهة مقبلة، وإما أن يحدّ الملعب السياسي مشوار ميدانها الناجح.



البداية من النهاية

في الحرب الأخيرة بدأت المقاومة قصفها من حيث انتهت قبل عامين، إذ كان الاستهداف الأول الذي نفذته سرايا القدس لمدينة تل أبيب المحتلة. وفي وضع مشابه، بينما بدأت الحرب بقصف هذه المدينة، انتهت في آخر خمس دقائق باستهدافها مجدداً. وكشفت المقاومة، خاصة كتائب القسام تطوير مداها الصاروخي، وصولاً إلى ما هو أكثر من 100 كلم، وأعلنت أنها قصفت مدينة حيفا المحتلة بإطلاق صواريخ «R160»، وقدر الاحتلال الإسرائيلي أنها نسخة عن صواريخ M302 السورية الصنع التي تمكّنت «حماس» من حيازتها قبل استيلاء العدو على سفينة «كلوز سي» قبالة البحر الأحمر، وفق الرواية العبرية، وكانت تلك السفينة تحمل أربعين صاروخاً من ذاك النوع. في المقابل، اضطر الاحتلال إلى نشر منظومة التصدي للصواريخ (بطاريات القبة الحديدية) على أكبر مساحة من فلسطين المحتلة (ثماني بطاريات) خاصة عند المدن الرئيسية، على خلاف وضعها إياها سابقاً في غلاف غزة. وإن ظهر أن قدرات القبة تحسنت بتغلبها على «صواريخ الطعم» التي كانت تطلق لإفراغها، فإنها لم تصل فعالية كبيرة مقارنة بعدد الصواريخ التي أطلقت، خاصة عجزها عن التصدي لقذائف الهاون من نوع 120 ملم التي يصل مداها إلى 12 كلم.