غزة | لم يكن اقتباس الأغاني والأناشيد الثورية اللبنانية على الشاشات الفلسطينية محل التقليد، أو المحاكاة، الوحيد، فالمقاومة عملت على تنفيذ ما فعله حزب الله مع إسرائيل على مدار سنوات مضت، وإن كان الحزب قد سبق الفلسطينيين في كثير من التكتيكات والوسائل، فإنها لم تفقد فعالياتها في مواجهة الاحتلال.


وظهر قبل الحرب، وخاصة مع تخلي حركة «حماس» عن الحكم في غزة أنها قد أقامت مراجعة خلصت إلى ضرورة تشكيل نموذج مشابهة حزب الله في الساحة اللبنانية، وإسقاطه على المشهد الفلسطيني، أي هناك من يحكم، وآخر عليه تأمين الحدود من أي ضربات عسكرية إسرائيلية، أو مقاومتها وقت الحرب.
ومن أكثر الأذرع العسكرية قدرة على تطبيق هذا النموذج كتائب القسام التابعة لـ«حماس» بصفتها قوة عسكرية كبرى في القطاع، ما يتيح لها فرصة تطبيق النموذج اللبناني إذا قررت «حماس» فعلياً التخلي عن الحكم ومشروع الوصول إلى السلطة. ولا يعني هذا انزواءها عن تمثيل سياسي، عبر حزب جديد، يضمن لها الحضور في المشهد لتكون ذات محدد أساسي في اتخاذ القرار، وإمكانية المزاوجة بين المقاومة والسياسة.


ليس من السهل في بيئة واقعة تحت الاحتلال تطبيق هذا النموذج


وتكفي نظرة واحدة إلى سير العمليات العسكرية الهجومية والدفاعية، والرد الصاروخي، والقدرات التسليحية، ليظهر جلياً أن التعاون بين المقاومة وحزب الله أثمر عن استنساخ النموذج العسكري مع مراعاة الفروق في الجغرافيا والخصوصية الفلسطينية، وهو ما وصفته بعض المصادر الحمساوية بأنها «غيرة المقاومة من المقاومة». لكن ماذا عن السياسة وتأثيرها على المستقبل العسكري، وإن كانت «حماس» قد استغلت وجودها في الحكم لتقوية الذراع المسلحة لها، على خلاف تجربة «فتح»؟ أيضاً، هل يعني خروج الحركة الإسلامية من لعبة الحكومات أنها ستعود إلى المقاومة البحتة، أم ستحاول تطبيق نموذج آخر يحقق المزاوجة بين السياسة وخيار المقاومة، وخاصة أنها لا تزال تحتفظ بكتلة برلمانية كبيرة؟ محللون وباحثون سياسيون رأوا أن الفرصة مناسبة لخروج «حماس» من «آثام السياسة»، وخاصة أن هناك من يرى أنها «نضجت سياسياً» على المستوى الداخلي أقله، وهو جزء من رأي أحمد يوسف، وهو المستشار الأسبق، لرئيس وزراء حكومة غزة السابقة، إسماعيل هنية. يقول يوسف لـ«الأخبار» إن الحركة صارت تتمتع بواقعية، «وأدركت حجم الضغوط التي تواجهها، وخاصة في ظل قدرة إسرائيل على إدارة المجتمع الدولي وتحريكه مع الأنظمة العربية ضدها، وهذا أمر نجحت وتنجح فيه غالباً». «لا يعني تخلي حماس عن الحكم أنها ستختفي عن الساحة السياسية بقدر ما أنها تعتبر أن تجربة حزب الله مدرسة كاملة لحركات التحرر، فمثلاً في لبنان ليس بإمكان أحد أن ينتخب رئيساً للبنان دون قبول الحزب بسبب تأثيره السياسي وتركيبة البلد»، يضيف يوسف.
رغم ذلك، ليس من السهل في بيئة واقعة تحت الاحتلال المباشر وغير المباشر، تطبيق هذا النموذج، وخاصة مع انجذاب «حماس» إلى مجموعة متباينة من التأثيرات الخارجية. ويبدو أنه بعد الحرب تعززت مخاوف من إمكانية عودة «حماس» إلى محور سوريا وإيران وحزب الله بقدر موازٍ لما ظهر عليه التفاؤل في بداية المعركة، لذلك يرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي، محمد حجازي، أن الأمور لن تعود إلى سابق عهدها مع الحلفاء الذين تخلت عنهم الحركة، «فهناك خشية من التجربة معها من جديد، والأمور بحاجة إلى سنوات عديدة».
وبينما حمل اتفاق المصالحة ضمناً أن سلاح المقاومة لن يمس في غزة، أعيد الحديث عنه إسرائيلياً في مفاوضات إيقاف الحرب، لكن السلطة الفلسطينية التي كانت مشاركة في الوفد المفاوض أعلنت أنها ترفض الحديث عنه، مع أن ممارستها العملية في الضفة المحتلة تظهر عكس ذلك.
بناءً على ذلك، يرى حجازي أن أي عودة للسلطة إلى غزة ستقابل بإصرار كتائب القسام وباقي الفصائل على أن تظل منظومة المقاومة كما هي، لكن مقابل ألا تطلق الصواريخ على إسرائيل بصورة متقطعة أو عشوائية «تماماً مثل حالة حزب الله». وإذا تحقق ذلك، فإن النجاح سيكون حليف المقاومة، لكن لا يعرف بعد هل سيكون هناك توافق مع السلطة حتى تغض الأخيرة الطرف عن تسلح الأولى وامتلاك أكبر عدد من الصواريخ وتصنيعها، أم سيكون اعتبار أي مواجهة بين فصائل المقاومة والجيش الإسرائيلي مخالفة للتنسيق الأمني، ما يمكن أن يشعل المواجهة مجدداً.
هذا السيناريو ممكن من وجهة نظر الكاتب حسام الدجني، وخاصة إذا «وافقت المقاومة على إكمال رئيس السلطة محمود عباس المفاوضات مع الاحتلال، ورضي الأخير ببقاء قوة المقاومة». لكنه يرى أن تراجع التأييد الشعبي لطرف ما ووجود خطين متوازيين سياسياً قد لا ينجحان هذه الفكرة، «لذلك أمام الجميع تحدّ كبير ستظهر نتائجه قريباً».
ومنذ اليوم الأول لوقف الحرب، أعلنت فصائل المقاومة أنها استكملت تدريبها لعناصرها وإعادة التصنيع لتعويض المخزون الصاروخي، فضلاً عن العمل للاستفادة من الأخطاء التي حدثت، كما أشارت إلى أن عدد المنضوين تحت أجنحتها من المقاومين زاد عما قبل.