يحق لأهالي الرهائن المخطوفين في جرود عرسال المحتلة أن يفرحوا. قررت السلطة القيام ببعض واجباتها لتحرير أبنائهم. لكنها لم تسلك إلا طريق إذلال الدولة، وإخضاعها لأوامر متزعّمي «داعش» و«جبهة النصرة» في القلمون. ذلّ صفقة إطلاق الرهائن التي يجري إعدادها وُلِد من ذل التسوية التي عُقِدت قبل نحو شهر، وأدت إلى وقف المعارك في عرسال، والسماح لمحتليها بمغادرتها وهم يصطحبون معهم رهائن من الجيش والأمن الداخلي.


أسقطت السلطة من حسبانها التلويح بأي عمل عسكري أو أمني يسمح لها بالضغط على الخاطفين، فوَضَعها هؤلاء في الزاوية، ما منحهم المزيد من الثقة في التفاوض وفرض الشروط. فبعد معركة عرسال، عاد المسلحون إلى قواعدهم سالمين: يحتلون الجرود، ويتنقلون بحرّية بينها وبين عرسال. يفرضون نمط حياتهم على هذه المنطقة من جرود البلدة الشاسعة، ويهددون من يشاؤون من أبنائها. أضيفت إلى مهماتهم السابقة مهمة جديدة: اصطحاب الرهائن، بحرّية تامة أيضاً، من الجرود إلى الذي يريدون «تبييض» سجلّه القضائي، كالشيخ مصطفى الحجيري (أبو طاقية).


الحجيري لـ«الأخبار»: لن
أتوقف حتى أُخرج جميع العسكريين من دون استثناء


أمام هذا الواقع، وبعد أقل من شهر على خطف نحو 36 عسكرياً ودركياً، قرّرت السلطة الرضوخ لمطالب الخاطفين، وإطلاق سراح موقوفين من سجن رومية. لم يُتّخذ القرار بعد. فهو، بحسب معنيين به، قرار سياسي لا يصدر عن اجتماع تقني الطابع كالذي عُقِد في السرايا الحكومية أمس. لكن القرار بات في طريقه إلى الصدور، رغم عدم وضوح موقف فريق 8 آذار والتيار الوطني الحر منه. لكن النائب وليد جنبلاط تولى «كسح الألغام» من أمام قرار كهذا، من خلال المطالبة بتلبية بعض مطالب الخاطفين كفدية لإطلاق الرهائن.
هذا الاجتماع حضره إلى الرئيس تمام سلام، وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، وزير العدل اللواء أشرف ريفي، رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، وعدد من القضاة، قائد الجيش العماد جان قهوجي ومسؤولون أمنيون.
كان الاجتماع أمنياً، لكن تقرّر حضور رئيس مجلس القضاء الأعلى والمدعي العام التمييزي والمدعي العام العسكري. والهدف من حضورهم واضح: البحث في إمكان الإفراج عن موقوفين في السجون اللبنانية، في إطار مبادلة محتملة مع خاطفي الرهائن العسكريين والدركيين. فبحسب مصادر اللقاء، استعرض المجتمعون الخيارات المتاحة لإطلاق الرهائن، وهي ثلاثة: العمل العسكري، التفاوض والتبادل. الأول، غير موضوع حالياً على الطاولة. الخيار الثاني، أي التفاوض، أثبت فعاليته حتى الآن، على الأقل مع «جبهة النصرة»، بحسب معنيين به. فحتى يوم أمس، أطلق 10 من الرهائن، نتيجة التفاوض غير المباشر. لكن هذا الخيار لا يضمن تحرير جميع الرهائن، ولا يمنع الأذى عنهم، بدليل قطع رأس أحدهم قبل أيام. وبالتالي، وبهدف تحرير الجميع سالمين، لا بد من اللجوء إلى الخيار الثالث.
وبحسب مصادر المجتمعين، فإن أحداً منهم لم يُعلن صراحة تأييده إجراء تبادل مع الخاطفين. لكن وزير الداخلية طرح «الخيارات المتاحة»، ومن بينها التبادل. وبحسب المصادر، ستتولى اللجنة الوزارية المكلفة متابعة الملف عرضه على الكتل السياسية، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب بهذا الصدد، علماً بأن معوقات قانونية تحول دون إطلاق محكومين، إلا بعفو يصدره رئيس الجمهورية أو بقانون يصدره مجلس النواب.
وبحسب المصادر، تلقت السلطات اللبنانية لأول مرة مطالب واضحة من الخاطفين، لناحية أسماء المطلوب الإفراج عنهم. ومعظم هؤلاء من موقوفي فتح الإسلام، ومن بقي مسجوناً من ملف خطف الأستونيين، إضافة إلى من أوقفتهم الأجهزة الأمنية بجرائم متصلة بعمليات التفجير الإرهابية التي وقعت في لبنان، بدءاً من صيف عام 2013.
وقبل حصول هذا التطور، كانت مصادر قريبة من «جبهة النصرة» تتحدّث عن قرب إطلاق سراح «الأسرى السنّة والمسيحيين والدروز، ليبقى الشيعة ليكونوا ورقة الضغط الرئيسية»، علماً بأن الشيخ الحجيري أكّد لـ«الأخبار» أنّه «لن أتوقف حتى أُخرج جميع العسكريين من دون استثناء».
وكان لافتاً أن من أطلقت «جبهة النصرة» سراحهم أمس من الرهائن، بينهم 4 كانوا في عداد المفقودين، ولم تكن «الجبهة» قد اعترفت بوجودهم في حوزتها. وبناءً على ذلك، يبقى في «معتقل» النصرة، ١٨ رهينة (١٤ دركيّاً و4 جنود). أما الرهائن في «معتقل داعش»، فيبلغ عددهم، إن صحّ خبر قتل الرقيب علي السيد، ١٠ عسكريين، بالإضافة الى جثتين.