«بوَردة يا عباس يا أمي ما بتنضرب، كيف إلهم قلب يدبحوك يا أمي. احترق قلبي عليك، الله يحرق قلبهم ع كل اللي بحبوهم متل ما حرقوا قلبي عليك. يا شهيد يا مظلوم يا عباس». تنتحب زينب نون المفجوعة بخبر استشهاد ابنها عباس مدلج، وهي تحتضن ثيابه. لا تنجح محاولات النسوة لتهدئتها أمام هول الصدمة وما يجول في مخيلتها لجهة «الدبح والرأس المفصول عن الجسد». رغم مصابها، لم تنس الأم الثكلى الشهيد علي السيد، ولا زملاءه المخطوفين. تصرخ: «ما قوّصوه...


دبحوه متل الشهيد علي السيد، الله يعين أمو لعلي السيد، ويعيني ويصبّرني على هالمصيبة... إن شا الله دم الشهيدين علي وعباس بكون فدا العسكريين البقية. وان شا الله بيرجعوا لأهلهم وعيلهم وولادهم».
لا مجال للشك لدى عائلة مدلج، التي تلقت الخبر أول من أمس. فقد تعرّف أفراد العائلة على ابنهم من الصورة التي جرى توزيعها، فضلاً عن «تواصل مخابرات الجيش مع العائلة بشأن استشهاد عباس»، كما يقول خال الشهيد لـ«الأخبار». في قلب الوالدة المفطور غصّة عتب كبير على «الدولة اللي ما حمت ابن مؤسستها الأمنية. زوجي خدم بالجيش 23 سنة، وأخوه للشهيد عباس كمان بالجيش، يعني ثلاثتهم كانوا عم يحموا الوطن، بس هيي ما حمتهم وتركتهم يتدبحوا عأراضيها».


قطع طرقات في كل
المناطق واعتداءات
استهدفت سوريين


الوالد المفجوع علي مدلج طالب الحكومة «بالالتزام بقراراتها التي أعلنتها منذ أيام»، يقول بغصّة: «لدى الحكومة نقاط قوة وضغط على المسلحين الخاطفين، ومنها إعدام موقوفين إذا أعدموا أحداً من أولادنا، وقطع طرق الإمداد عنهم في جرود عرسال». يتدخل عم الشهيد أحمد مدلج مطالباً الدولة بـ«عدم التهاون مع هذه الفئة الضالة، لأنهم ليسوا سوى مجرمين يريدون التفرقة بين اللبنانيين»، مشدداً على أن المفاوضات معهم «عقيمة»، وأن على الدولة أن «تحزم أمرها وعدم التساهل معهم أبداً».
رئيس الهيئة الشرعية في حزب الله الشيخ محمد يزبك كان أول المعزين أمس في منزل الشهيد في الأنصار. أكد يزبك على «صون وحماية المؤسسة العسكرية التي تعتبر صمام أمان هذا الوطن»، مطالباً الدولة بأن «تستمر بجد في عملها من أجل إعادة أولادنا». ورأى أنه إذا كان «الدواعش، ومن خلفهم ومن يدعمهم، يخططون من أجل فتنة في هذا الوطن، نؤكد أننا سنطفئ هذه الفتنة، ونحن لا نتعدى على أحد من النازحين السوريين الذين استضفناهم بموجب قيمنا وعملنا الإنساني. ونحن لسنا عاجزين عن مواجهة من يظلمنا لننتقم ممن لا حول له ولا قوة». وشدد على أن «أي اعتداء على النازحين إنما هو سبيل للفتنة وجلب لها».
خارج منزل العائلة، كان الشارع يغلي في البقاع. حالة الحزن والغضب لدى شيوع خبر ذبح مدلج على أيدي إرهابيي «داعش» في جرود عرسال المحتلة سرعان ما توسعت دائرتها، من محيط منزل الشهيد في حي الشراونة في مدينة بعلبك، لتشمل البقاع بأكمله من الهرمل إلى اللبوة والتل الأبيض، وصولاً حتى بريتال ورياق وأبلح. وترجم الغضب في قطع الطرقات بالإطارات المشتعلة، والظهور المسلح في بعض الأماكن من قبل شبان غاضبين، وتطور الأمر الى إحراق خيم للنازحين السوريين في اللبوة، ورشق بعض الشبان فانات وسيارات على طريق اللبوة ـــ عرسال. كذلك قطع شبان مسلحون غاضبون لبضع دقائق طريق بعلبك الدولية، وأطلقوا النار في الهواء.
كل ذلك استدعى تدخلاً من فعاليات المنطقة وعقلائها، بهدف تهدئة الأمور وعدم الانجرار إلى الفتنة. بدورها عائلة مدلج كانت أول المبادرين إلى طلب «التهدئة وضبط النفس». وأصدرت بياناً أكدت فيه أن «خيارها هو لبنان العيش المشترك بكل مكوناته»، وأن «العمل الإرهابي الذي أدى إلى استشهاد ابننا عباس ليس سوى جريمة بحق كل اللبنانيين». ودعت إلى «درء الفتنة وعدم السماح للتكفيريين بالتغلغل في نسيجنا الوطني».
وعلمت «الأخبار» أن عدداً من أقارب العريف المخطوف علي زيد المصري في بلدة حورتعلا خطفوا أمس المواطنين عبدالله الفليطي وحسين حسن البريدي من بلدة عرسال. وأشارت مصادر العائلة لـ«الأخبار» إلى أن «المخطوفَين بأمان في ضيافتنا، ولن يمسهما مكروه»، وأن «الهدف من اختطافهما مقايضتهما مع أولادنا العسكريين».
وفي البقاع الأوسط، قطع متظاهرون طرقات أبلح ـــ رياق وأبلح ـــ بدنايل ورياق ـــ بعلبك، قبل تدخل قيادات حزب الله. واعتدى بعض المتظاهرين على سيارات السوريين، وعلى مخيمات للنازحين في حوش الغنم في رياق، ما أسفر عن نزوح عدد من عائلات المخيم إلى البقاع الغربي. وشهدت بلدة جديتا البقاعية والتي لا يزال ابنها جورج خزاقة محتجزاً من قبل الإرهابيين في جرود عرسال، تظاهرة حاشدة جابت شوارع البلدة، وصولاً إلى الطريق الرئيسية التي قطعت لبعض الوقت.
كما قطعت طرقات المطار والأوزاعي ومار مخايل في الضاحية الجنوبية، وسجلت اعتداءات على سوريين.
وفي عكار، قطع عدد من الشبان طريق عام حلبا استنكاراً لذبح مدلج وللمطالبة بالإسراع في حل ملف العسكريين المخطوفين. كذلك قطعت الطريق الرئيسية التي تربط حلبا ببلدة الكويخات. وعقد اجتماع في بلدية فنيدق ضم فاعليات البلدة وأهالي العسكريين المخطوفين حسين عمار وخالد موري، اتفق المجتمعون خلاله على الاعتصام غداً أمام السرايا الحكومية ونصب خيمة كبيرة في المكان حتى إطلاق سراح العسكريين. وفي جبل لبنان، قطعت طريق الشويفات عند معمل غندور بالاتجاهين.
وأكدت لجنة أهالي المخطوفين العسكريين في بيان أن «خيارهم الوحيد الوطن والعيش المشترك». وشدد بيان الأهالي على أنهم «لا يتبنون أي تحركات من خارج نطاق ما يعلنون عنه وضد أي اعتداء على أي نازح سوري». وقبل ساعات على خبر استشهاد مدلج، عقد أهالي العسكريين المخطوفين في البقاع اجتماعاً أكدت فيه مصادر من الأهالي لـ«الأخبار» أنه تقرر تلبية دعوة رئيس الحكومة عصر يوم غد، مشددين على تعليق سائر تحركاتهم إلى حين لقاء رئيس الحكومة، واتخاذ موقف جديد»، وأكدت المصادر أنه على رغم استشهاد مدلج «مستمرون في قرارنا لقاء رئيس الحكومة للاطلاع منه على آخر المستجدات التي نقلها الوفد القطري، واتخاذ قرارات بناءً على ذلك».
من جهة ثانية، أطلق ثلاثة مسلحين يستقلون دراجتين ناريتين النار على دورية لمخابرات الجيش في بلدة القاع البقاعية. وردّ أفراد الدورية عليهم بالمثل، ما أدى إلى مقتل مسلح وجرح آخر وتوقيف الثالث. وقد نقل الجريح ويدعى ح. ح. إلى أحد مستشفيات المنطقة لتلقي العلاج. وتبين، بحسب مصادر أمنية، أن المسلحين ينتمون إلى أحد فصائل المعارضة السورية المسلحة التي تحتل جزءاً من جرود البقاع الشمالي القريبة من
عرسال.